قال مالك - رحمه الله تعالى: من لم يعرف منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلّة، فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام.
والأصل في هذا: ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، عن عائشة - رضي الله عنها: أن قريشا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلّم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فكلّمه أسامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْفَعُ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ؟!» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوْا: إِذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الشَّرِيْفُ تَرَكُوْهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الضَّعِيْفُ أَقَامُوْا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . أهمّهم: أحزنهم. يكلّم فيها: حتى لا يقطع يدها، وقد رفع إليه أمرها. حِبّ: محبوب. وأيم الله: صيغة من صيغ القسم، أصلها: يمن الله قسمي.
ولما سُرِق رداء صفوان بن أميّة - رضي الله عنه - وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع يد السارق، قال له صفوان: إني لم أُرِد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِيْ بِهِ؟!» [النسائي، وابن ماجه، ومالك مرسلا] .
وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطأ: أن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان، فلعن الله الشافع والمشفَّع.
وذلك لأنه إذا حصلت الشفاعة لدى السلطان، وأخذت الوساطة مأخذها لديه، عمت الفوضى، وساد الفساد في المجتمعات، فضاعت الحقوق، واستشرى الشر، وتغلب أهل المعاصي والفجور، وطمعوا بالحظوة لدى الحاكم، وذهبت هيبته من نفوسهم، وخاب أمل المصلحين، وأصبحت الأمة على حافة الانهيار والدمار، ولذا كان على الحكام أن يأخذوا بالحزم في هذا الأمر، مقتدين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -،