فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 382

يرضى بما تيسر له، ويدخر من دار الغربة، ويجمع من الهدايا والتحف، ما يتنعم به في بلده، بين الأهل وذوي القربى، لأنه يعلم أن هناك المقام والمستقر، وهكذا المؤمن، يزهد في الدنيا؛ لأنها ليست بدار مقام، بل هي لحظات بالنسبة للآخرة {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة:38] .

قال الحسن البصري: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذل الدنيا، ولا ينافس في عزّها، له شأن وللناس شأن.

وقال ابن رجب: لما خلق الله آدم - عليه السلام - أسكن هو وزوجته الجنة، ثم أهبط منها، ووُعد بالرجوع إليها، وصالحو ذريتهما، فالمؤمن أبدا يَحِنُّ إلى وطنه الأول، وحب الوطن من الإيمان.

بل إن المؤمن يعيش في هذه الدنيا ويستقر أقل مما يعيشه الغريب عن بلده ويقيم، فإن الغريب ربما طاب له المقام، واتخذ المسكن والأهل والعيال، وليس هذا حال المؤمن في الدنيا، بل هو كالمسافر في الطريق، يمر مَرّ الكرام، ونفسه تتلهف إلى الوصول لمواطنه ومستقره، فكلما قطع مسافة سُرَّ أكثر، وكلما عاقه معوق ساعة، ساءه ذلك وتألّم، والمسافر لا يتخذ في سفره المساكن والأصدقاء، بل يكتفي من ذلك بالقليل، قدر ما يؤنسه لقطع مسافة عبوره، ويساعده على بلوغ غايته وقصده. وهكذا المؤمن في الدنيا يتخذ من مساكنها ومتاعها ما يكون عونا في تحقيق مبتغاه في الآخرة من الفوز برضوان الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، ويتخذ من الخلان من يدلّه على الطريق، ويساعده على الوصول إلى شاطئ السلامة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] ، ويكون حذرا فيها من اللصوص وقطاع الطرق الذين يبعدونه عن الله عزّ وجلّ وطاعته؛ كحال المسافر في الصحراء: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] ، والمسافر يتزوّد لسفره، والمؤمن يتزوّد من دنياه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت