فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 382

واحتج الشافعية بهذا الحديث على أن أصل العقل في القلب، وما في الرأس منه فإنما هو من القلب، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} .

وحُكي مثل هذا عن الفلاسفة والمتكلمين.

وأما مذهب أبي حنفية - رضي الله عنه -، فهو أن العقل في الدماغ، وحُكي مثل هذا عن الأطباء، واحتجوا بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل. والذي يظهر من علم الطب والتشريح الحديث أن مصدر التفكير المباشر إنما هو في الدماغ، لأن الحواس إنما تتحرك بأوامر صادرة من المخ.

ومع ذلك فإن القلب يبقى هو المصدر الأصلي لحياة جميع الأعضاء ومنها المخ، فإذا ربط الحديث صلاح الجسد والفكر بالقلب، فقد ربطه بالمصدر الأصلي. والآية أسندت العقل إلى القلوب؛ لأن القلوب هي المصدر البعيد، أما الدماغ فهو المصدر القريب المباشر للتفكير.

والمراد من الحديث صلاح القلب المعنوي، والمقصود منه صلاح النفس من داخلها حيث لا يطلع عليها أحد إلا الله تعالى، وهي السريرة، وفي كتاب (المعين على تفهم الأربعين) لابن الملقن الشافعي: أن صلاح القلب في خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. قلت: وأكل الحلال، وهو رأسها. وما أحسن من قال: الطعام بذر الأفعال إنْ دخل حلالًا خرج حلالًا، وإنْ دخل حرامًا خرج حرامًا، وإنْ دخل شبهة خرج شبهة.

والقلب السليم هو عنوان الفوز عند الله عزّ وجلّ، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88] ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: «اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلَكُ قَلْبًا سَلِيْمًا» .

قال النووي: إنما يحصل صلاح القلب بسلامته من الأمراض الباطنة، كالغل والحقد والحسد، والشح والبخل والكبر، والسخرية والرياء والسمعة والمكر، والحرص والطمع، وعدم الرضى بالمقدور ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت