فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 382

وحتى لا يقع المكلفون في هذا الخطأ، نجد الفقهاء حدَّدوا معنى الضرورة: بما يجعل الإنسان في خطر يهدده بالموت، أو بإتلاف عضو من أعضائه، أو زيادة مرض، ونحو ذلك مما يتعذر معه قيام مصالح الحياة، أو يجعلها في مشقة وعسر لا يُحتمل.

وفي الوقت نفسه حدّدوا مدى الإباحة بما يندفع به الخطر، ويزول به الاضطرار، فوضعوا هذه القاعدة: «الضرورة تُقَدَّرُ بَقْدرِها» ، أخذًا من قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} أي غير قاصد للمخالفة والمعصية، وغير متعدٍّ حدود ما يدفع عنه الاضطرار.

فمن اضطر لأكل الميتة ليس له أن يمتلئ منها أو يدخر، ومن اضطر أن يسرق لِيُطْعِم عياله ليس له أن يأخذ ما يزيد عن حاجة يوم وليلة، ومن اضطر لكشف العورة أمام الطبيب ليس له أن يكشف عن غير موضع الألم، وغير الموضع الذي يحتاج الطبيب إلى كشفه لضرورة المعاينة، ومن اضطرت للمعالجة، ليس لها الذهاب إلى طبيب رجل وهناك امرأة تقوم بعمله وتغني عنه.

وليس من الاضطرار في شيء التوسع في الدنيا، وتحصيل الكماليات، وإيثار الراحة، ومسايرة المجتمع في عاداته المستوردة: فمن كان ذا رأسمال قليل ليس مضطرًا للتعامل بالربا ليوسع تجارته. ومن كان له مسكن صغير متطرف، ليس مضطرا - كذلك - حتى يُباح له أن يحصل مسكنا فخما لائقا من أي طريق. ومن كان له زوج أو ولي يُنفق عليها ليست مضطرة، حتى يُباح لها الاختلاط بالرجال أو الخلوة بهم في الوظيفة أو العمل. وكذلك من كانت مضطرة إلى النفقة، وتيسر لها عمل ليس فيه مثل هذا المحظور، فليس لها أن تعمل فيما فيه محذور، بل لا يباح لها مطلقا أن تعمل حال الخلوة أو الاختلاط، دفعا للمفسدة التي تجرّ الويلات على العباد والبلاد، وعملا بقاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» . ومن كان له معاملة، ليس مضطرا لدفع الرشوة حتى يسهل سيرها. ومن كان له علاقات مع الناس، ليس مضطرًا لأن يجلس معهم على موائد الخمر ويسكت عن منكرهم. ومن كانت ذات زوج متهاون، ليست مضطرة لأن تخلع لباس الحشمة وجلباب الحياء، فتترك الآداب الشرعية ولباس المؤمنات، لتحصل على إعجابه ورضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت