على رب العالمين.
وهذا خلاف ما تقرر في شرع الله الحكيم، وثبت في سنة إمام المرسلين، وفهم الأجلاء من الصحابة والأئمة والتابعين، من أن أصل العبادة اجتناب ما حرم الله عزّ وجلّ، وطريق النجاة مجاهدة النفس والهوى، وحملها على ترك المنهيات، وأن ثواب ذلك يفوق الكثير من ثواب فعل الواجبات.
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اِتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعَبَدَ النَّاسِ» . [رواه الترمذي] .
وهذه عائشة - رضي الله عنها - تقول: من سَّره أن يَسبِقَ الدائب المجتهد فليَكُفّ عن الذنوب.
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يُسأل عن قوم يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فيقول: أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم.
وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وهو إمام العابدين: لَرَدُّ دَانِقٍ مِنْ حَرَام أفضلُ من مائة ألف تنفق في سبيل الله. [الدانق: هو سدس درهم من فضة] .
وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - وهو سيد التابعين: ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه.
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى-: ليست التقوى قيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير.
وهكذا يتقرر لدينا أن ترك المعصية أولى من فعل الطاعة، ولا يعني ذلك - كما قلنا - أن يتساهل المسلم بالواجبات، كما يروق لبعض مرضى القلوب وضعاف النفوس، أن يتهاونوا في شرع الله عزّ وجلّ، فلا يفعلون شيئا من الواجبات، ويزعمون لأنفسهم أنهم خير من المصلين الصائمين، بدعوى أن معاملتهم مع الناس حسنة، والدين حسن المعاملة، وأنهم لا يقترفون الفواحش والمنكرات.
فموقف هؤلاء والذين من قبلهم انحراف عن طريق الهداية، وتشويه لمفهوم الإسلام وسلوك المسلمين، كما تبين لك فيما سبق من بحث.