(وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ) : بفتح (أَنَّ) ، ورُوي بكسرها، على تقدير: باب هذه الجملة، أو على سبيل الحكاية.
قوله [1] : (بِحَظٍّ وَافِرٍ) : الباءُ في المفعول زائدةٌ للتَّوكيدِ.
(طَرِيقًا) : نُكِّر؛ ليندرجَ فيه كلُّ نوعٍ من أنواعِ العلومِ الدِّينيَّةِ، ويتناولَ القليلَ منه والكثيرَ، والضَّميرُ في (بِهِ) عائدٌ إلى (مَنْ) ، والباءُ للتَّعدية.
( {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ) : الاسمُ الجليلُ منصوبٌ، و {العلماءُ} مرفوعٌ، هذه قراءةُ العامَّةِ، والعكسُ قرأ بها عمرُ بنُ عبدِ العزيز، وأبو حنيفةَ [2] ، وأبو حَيْوَةَ، و {يَخْشَى} بمعنى: يعظِّم.
قوله [3] : ( {أو نعقل} ) : حُذف مفعولُ {نعقل} ؛ لأنَّه جُعل كالفعل اللَّازم، فمعناه: لو كنَّا من أهل العلم؛ ما كنَّا من أهل النار.
(لَوْ وَضَعْتُمُ) : إنْ قلتَ: (لو) لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل على المشهور، فمعناه: انتفى الإنفاذُ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه.
قلتُ: هو مثلُ: (لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ) ؛ يعني: يكونُ الحكمُ ثابتًا على تقديرِ النَّقيض بالطَّريق الأولى، فالمرادُ أنَّ الإنفاذَ حاصلٌ على طريق الوضع، فعلى تقديرِ عدمِ الوضع حصولُه أَولى، أو أنَّ (لو) ههنا لمجرَّدِ الشَّرطيَّة؛ يعني: حكمُها حكمُ (إِنْ) من غير أَنْ [4] يُلاحَظ الامتناعُ.
فائدة: قال الشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله تعالى:(قاعدة: «لو» إذا دخلتْ على ثبوتين؛ كانا نفيين [5] ، وعلى نفيين؛ كانا [6] ثبوتين، أو نفي وثبوت؛ فالنَّفي ثبوت والثبوت نفي، تقول: «لو جاءني؛ لأكرمته» ، فهما ثبوتان، فما جاءك ولا أكرمته، و «لو لم يَسْتَدِنْ؛ لم يُطالَب» ، فهما نفيان، وقد استَدانَ وطُولِب، و «لو لم يُؤمِن؛ أُريقَ دمُه» ، التَّقدير: أنَّه آمن ولم يُرَق دمُه، وبالعكس: «لو آمن؛ لم يُقتل» .
وإذا تقرَّرتْ هذه القاعدة؛ فيلزم أن تكون {كلماتُ} في آيةِ {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَام [وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ] } [لقمان: 27] قد نَفِدَتْ، وليس كذلك؛ لأنَّ لَوْ}دخلت على ثبوت أولًا ونفي آخرًا، فيكون الأوَّل نفيًا، وهو كذلك؛ فإن الشَّجرة ليست أقلامًا، ويلزم أن يكون النَّفي الأخير ثبوتًا، فتكون نَفِدَتْ، وليس كذلك، ونظيرُ هذه الآية قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: «نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ» ، يقتضي: أنَّه خاف وعصى مع الخوف، وهو أقبحُ، فيكونُ ذلك ذمًّا، لكنَّ الحديثَ سِيقَ للمدحِ، وعادةُ الفضلاءِ الولوعُ بالحديثِ كثيرًا، أمَّا الآيةُ؛ فقليلٌ مَنْ يفطنُ لها، وذَكَرَ الفضلاءُ في الحديث وجوهًا، أمَّا الآيةُ؛ فلم أرَ لأحدٍ فيها شيئًا، ويُمكنُ تخريجُها على ما قالوه في الحديثِ، غيرَ أنِّي ظهرَ لي جوابٌ عن الحديثِ والآيةِ جميعًا، سأذكرُه [بعدَ ذِكْري لأجوبةِ الناسِ؛ لأنَّ مَن سبقَ أَولى بالتقديم] :
قال ابن عُصفور: «لو» في الحديثِ بمعنى «إِنْ» لمُطلَقِ الرَّبطِ، و «إِنْ» لا يكون نفيُها ثبوتًا، ولا ثبوتُها نفيًا، فيندفِعُ الإشكالُ.
وقال الشَّيخ شمسُ الدِّين الخسرو [شاهي] : إنَّ «لو» في أصل اللُّغة لمُطلَقِ الرَّبط، وإنَّما اشتهرتْ في العُرْفِ في انقلابِ ثبوتِها نفيًا، وبالعكس، والحديثُ إنَّما وردَ بمعنى الرَّبْطِ [7] في اللُّغة.
وقال ابن عبد السَّلام
ص 23
رحمه الله تعالى: الشَّيءُ الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدمه؛ لأنَّ السَّبب الثَّاني يخلف الأوَّل؛ كقولنا في زوجٍ هو ابن عمٍّ: لو لم يكن زوجًا؛ لورث؛ أي: بالتَّعصيب، فإنَّهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك هنا النَّاس في الغالب إنَّما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف؛ عَصَوا؛ لاتِّحاد السَّبب في حقِّهم، فأخبر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ صهيبًا رضي الله عنه اجتمع له شيئان [8] يمنعانه من المعصية: [الخوفُ] والإجلالُ [9] ، [فلوِ انتفى الخوفُ في حقِّهِ؛ لانتفى العصيانُ للسبب الآخرِ؛ وهو الإجلالُ] [10] ، وهذا مدحٌ جميلٌ، وكلامٌ حسنٌ.
وأجابَ غيرُهم: بأنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: لو لم يَخَفِ اللهَ؛ عَصَمَهُ اللهُ، ودلَّ على ذلك قوله: «لم يَعْصِهِ» ، وهذه الأجوبةُ تتأتَّى في الآيةِ غيرَ الثَّالث؛ فإنَّ عَدَمَ نفودِ كلماتِ الله وأنَّها غيرُ متناهيةٍ أمرٌ ثابتٌ لها لذاتِها، وما بالذَّاتِ لا يُعلَّلُ بالأسبابِ، فتأمَّل ذلك.
فهذا كلامُ الفضلاءِ الَّذي اتَّصل بي.
والَّذي ظهرَ لي: أنَّ «لو» أصلُها أَنْ تُستعملَ للرَّبط بين شيئين نحوَ ما تقدَّم، ثمَّ إنَّها أيضًا تُستعمل لقطعِ الرَّابطِ، فتكون جوابًا لسؤالٍ محقَّقٍ أو مُتَوَهَّمٍ [11] وَقَعَ فيه ربطٌ فتقطعه أنت؛ لاعتقادِكَ بُطلانَ ذلك الرَّبط؛ كما لو قال القائل: لو لم يكن زيدٌ [12] زوجًا؛ لم يَرِثْ، فتقول أنت: لو لم يكن زوجًا؛ لم يحرم؛ تريد: أنَّ ما ذَكَرَهُ [13] من الرَّبط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحقٍّ، فمقصودُك قطع ربط كلامه، لا ربط كلامك [14] ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا؛ لَأُكرِم؛ أي: لشجاعته، جوابًا لسؤالِ سائلٍ تتوهَّمُه أو سمعتَه [وهو] يقول: إنَّه إذا لم يكن [15] عالمًا؛ لم يُكرَم، فربطَ بين عدم العلم وعدم الإكرام، فتقطعُ أنت ذلك الرَّابط، وليس مقصودك أَنْ تربطَ بين عدم العلم والإكرام؛ لأنَّ ذلك ليس بمناسبٍ ولا من أغراض الفضلاءِ، ولا يتَّجِه كلامُك إلّا على عدم الرَّبط.
كذلك الحديثُ لمَّا كان الغالبُ على النَّاس أَنْ يرتبط عصيانهم بعدم خوف الله تعالى وأنَّ ذلك في الأوهام؛ فقطعَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الرَّبط وقال: «لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِه» .
وكذلك لمَّا كان الغالبُ على الأوهام أنَّ الأشجارَ كلَّها إذا صارت أقلامًا، والبحرَ المِلْحَ مع غيرِه [مِدادًا] يُكتبُ به [16] ، فيقول الوهمُ: ما يُكتب بهذا شيءٌ إلَّا نَفِدَ، وما عساهُ أن يكونَ؛ فقطعَ اللهُ هذا الرَّبط وقال: {مَا نَفِدَتْ} .
وهذا الجوابُ أصلحُ الأجوبةِ المتقدِّمةِ من وجهين:
أحدهما: شمولُه لهذين الموضعين، وبعضها [17] لم يَشمل كما تقدَّم [بيانُه] .
وثانيهما: أنَّ «لَوْ» بمعنى [ «إِنْ» خلافُ الظاهر ومخالفٌ للعُرْف، وادعاءُ النقل خلافُ الأصل والظاهر، وحذفُ الجواب] [18] خلافُ الظَّاهر، وما ذكرتُه مِن الجوابِ ليس مخالفًا لعُرْف أهل اللغة؛ فإنَّ أهلَ العُرْف يستعملونَ ما ذكرتُه، ولا يفهمونَ غيرَه في تلك الموارد.
ونِعْمَ هذا الجوابُ الواجب لذاته ولصفات الله تعالى وكلماته، والممكن القابل للتعليل لطاعة صهيب رضي الله عنه!) انتهى كلامُ الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى [19] .
ص 24
تنبيه: قولُه [20] : (قولُه عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ» ) اعلم أنَّ غيرَه قال: (قولُ عمرَ: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ ... إلى آخره) ، قال بهاءُ الدين ابنُ السُّبْكِيِّ: (لم أرَ هذا الكلامَ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، لا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن عمر، مع شِدَّةِ الفحصِ) انتهى.
وقال السُّبْكِيُّ: (رأيتُ ابنَ العربيِّ نسبَهُ إلى عمرَ، إلَّا أنَّه لم يُبْدِ له إسنادًا) .
وقال شيخُ والدي العِراقيُّ: (لا أصلَ لهذا الحديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أقفْ له على إسنادٍ قطُّ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، وبعضُ النُّحاةِ ينسبونَهُ إلى عمرَ مِن قولِه، ولم أرَ له إسنادًا إلى عمرَ) .
وقال ابنُ الدَّمامينيِّ: (وفي «الحلية» في ترجمةِ سالمٍ مولى أبي حذيفةَ رضي الله عنه حديثٌ رفعَهُ مِن طريق عمرَ بن الخطاب [21] قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ سالمًا شديدُ الحُبِّ للهِ عزَّ وجلَّ، لو كانَ لا يخافُ اللهَ؛ ما عصاهُ» ) ، وكذا رأيتُهُ بخطِّ شيخِنا أبي الفَضْلِ أنَّه في «الحليةِ» مرفوعًا.
ص 25
[1] (قوله) : مثبت من (أ) .
[2] زيد في (ب) وهامش (أ) : (الدينوري) ، وهو في كتب التفسير مطلق، ويحمل على الإمام أبي حنيفة النُّعْمان بن ثابت التيميِّ الكوفيِّ، مولى بني تيم، فقيه المِلَّة، وعالم العراق، الإمام، المجتهد، صاحب المذهب الحَنَفِيِّ، المولود سنة (80 هـ) ، أدرك بعض الصحابة، وعُني بطلب الآثار، وإليه يعود الرأي في الفقه، والتدقيق في غوامضه، حتى قيل: الناسُ عِيالٌ في الفقه على أبي حنيفة، توفِّي سنة (150 هـ) ، انظر «تهذيب الكمال» (29/ 417) ، «سير أعلام النبلاء» (6/ 390) ، «الوافي بالوفيات» (27/ 89) ، «غاية النهاية» (2/ 342) .
نعم؛ لأبي حنيفة الدينوري أحمد بن داود بن وَنَنْد النحويِّ المتوفَّى سنة (282 هـ) تفسيرٌ كبير، إلَّا أنَّه لم يُذكر في القرَّاء، انظر «سير أعلام النبلاء» (13/ 422) ، «الأعلام» للزركلي (1/ 123) .
[3] (قوله) : مثبت من (أ) .
[4] أن: سقطت من (ب) .
[5] في النسختين: (منفيين) ، وفي «الفروق» : (عادا نفيين) .
[6] في «الفروق» : (عادا) .
[7] في النسختين و «الفروق» : (اللفظ) ، وأشار في (أ) إلى تصحيحها في الهامش، وهو الصواب.
[8] في (ب) : (سببان) ، وكذا في «الفروق» .
[9] قوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال) .
[10] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره.
[11] في النسختين: (ومتوهم) ، والمثبت من مصدره.
[12] في النسختين: (ذلك) ، والمثبت من مصدره.
[13] في النسختين: (ذكرته) ، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[14] في النسختين: (كلامه) ، ولا يصح، وفي «الفروق» : (لا ارتباط كلامك) .
[15] في النسختين: (أو سمعته يقول: إنه إذا كان) ، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[16] زيد في النسختين: (الجميع) ، ولا يستقيم، والمثبت من مصدره.
[17] في النسختين: (وبعضهما) ، ولا يصح، والمثبت من مصدره.
[18] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره.
[19] «الفروق» (1/ 160 - 163) .
[20] أي: قول القرافي.
[21] (بن الخطاب) : مثبت من (ب) .