فهرس الكتاب
3926 - قوله: (كُلُّ امْرِئٍ ... ) البيت: اعلم أنَّ لفظَ (كُلٍّ) للإفرادِ، وأنَّ معناها بحسبِ ما تُضافُ إليه، فإنْ كانتْ مضافةً إلى منكَّرٍ؛ وجبَ مُراعاةُ معناها؛ فلذلك جاءَ الضميرُ:
مفردًا مذكَّرًا في نحو: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52] ، {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ} [الإسراء: 13] ، وقولِ أبي بكرٍ، وكعبٍ، ولبيدٍ: [من الرجز]
~ كُلُّ امْرِئٍ .. ... ... ... ... ... . ... ... ... ... ... ... ... .
البيت [1] .
~ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
[من البسيط]
~ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ ... ... ... ... ... ... .
[من الطويل]
وقولِ السَّمَوْءَل: [من الطويل]
~ إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ
ومفردًا مؤنَّثًا في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] ، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] .
ومثنًّى في قولِ الفرزدقِ: [من الطويل]
~ وَكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ _وَإِنْ هُمَا تَعَاطَا الْقَنَا قَوْمَاهُمَا_ أَخَوَانِ
ومجموعًا مذكَّرًا في قولِه تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] ، وقولِ لبيدٍ: [من الطويل]
~ وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ دُوَيهِيَّةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الْأَنَامِلُ
ومؤنَّثًا في قولِ الآخرِ: [من الطويل]
~ وَكُلُّ مُصِيبَاتِ الزَّمَانِ [2] وَجَدْتُهَا سِوَى فُرْقَةِ الْأَحْبَابِ هَيِّنَةَ الْخَطْبِ
ويُروى: [من الطويل]
~ وَكُلُّ مُصِيبَاتٍ تُصِيبُ فَإِنَّهَا ... ... ... ... ... ... .
وعلى هذِهِ الروايةِ؛ فالبيتُ ممَّا نحنُ فيه.
وهذا الذي ذكرناه _مِن وجوبِ مُراعاةِ المعنى مع النكرةِ_ نصَّ عليه ابنُ مالك، وردَّه أبو حيَّانَ بقولِ عنترةَ: [من الكامل]
~ جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ
فقال: تَرَكْنَ، ولم يَقُل: تَرَكَتْ، فدلَّ على جوازِ: (كُلُّ رَجُلٍ قائِمٌ) و (قائِمُونَ) .
والذي يظهرُ: خلافُ قولِهِما، وأنَّ المضافةَ إلى المفردةِ إنْ [3] أُريدَ نسبةُ الحكمِ إلى كلِّ واحدٍ؛ وجبَ الإفرادُ؛ نحو: (كلُّ رجلٍ يُشبِعُهُ رغيفٌ) ، أو إلى المجموع؛ وجبَ الجمعُ؛ كبيت عنترة، فإنَّ المراد: أنَّ كلَّ فردٍ مِنَ الأعيُنِ جادَ، وأنَّ مجموعَ الأعيُنِ تَرَكْنَ [4] ، وعلى هذا فتقول: (جاد عليَّ كلُّ مُحسنٍ فأغناني أو فأغنَوني [5] ) بحسبِ المعنى الذي تريدُه.
ورُبَّما جُمِعَ الضميرُ مع إرادةِ الحكمِ على كلِّ واحدٍ؛ كقولِه: [من الرجز]
~ مِنْ كُلِّ كَومَاءَ كَثِيرَاتِ الْوَبَرْ وعليه أجازَ ابنُ عُصْفُورٍ في قولِه: [من الطويل]
~ وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... ... ... ... ... ... .
أنْ [6] يكونَ (مؤتيكَ) جمعًا حُذِفتْ نونُه للإضافةِ، ويَحتملُ ذلك قولُ فاطمةَ الخُزاعيَّةِ تبكي إخوتَها: [من المديد]
~ إِخْوَتِي لَا تَبْعَدُوا أَبَدًا وَبَلَى [7] وَاللهِ قَدْ بَعِدُوا
~ كُلُّ مَا حَيٍّ وَإِنْ أمِرُوا وَارِدُ والْحَوْضِ الَّذِي وَرَدُوا [8]
وذلك في قولها: (أمِروا) ، فأمَّا قولها: (وردوا) ؛ فالضمير لـ (إخوتِها) ، هذا إنْ حملتَ (الحيَّ) على نقيضِ الميت، وهو الظاهرُ، فإنْ حملتَه على مُرادفِ القبيلةِ؛ فالجمعُ في (أمِروا) واجبٌ؛ مثله في: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] ، وليس مِن ذلك: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5] ؛ لأنَّ القرآنَ لا يُخَرَّجُ على الشاذِّ، وإنَّما الجمعُ باعتبارِ معنى الأمَّة [9] ، ونظيرُهُ [10] الجمع في قولِه تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ} [آل عمران: 113] ، ومثلُ ذلك قولُه: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ} [الحج: 27] ، فليسَ (الضامرُ) مفردًا في المعنى؛ لأنَّه قسيمُ الجمعِ؛ وهو {رِجَالًا} ؛ بل هو اسمُ جمعٍ؛ كـ (الجامِل) و (الباقِر) ، أو صفةٌ لجمعٍ محذوفٍ؛ أي: كلِّ نوعٍ ضامرٍ، ونظيرُه: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ} [البقرة: 41] ، فإنَّ (كافرًا) نعتٌ لمحذوفٍ مفردٍ لفظًا، مجموعٍ معنًى؛ أي: أوَّلَ فريقٍ كافرٍ، ولولا ذلك؛ لم يقُل: (كافر) ؛ بالإفرادِ.
وأشكلُ من [11] الآيتينِ: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ*لَا يَسَّمَّعُونَ [12] } [الصافات: 7 - 8] ، ولو ظفِرَ بها أبو حيَّانَ؛ لم يعدِل إلى الاعتراضِ ببيتِ عنترةَ.
والجوابُ عنها: أنَّ جملةَ {لَا يَسَّمَّعُونَ [13] } مستأنفةٌ أُخبِرَ بها عن حالِ المُسْتَرِقِينَ، لا صفةٌ لـ كلِّ شيطانٍ}، ولا حالٌ منه؛ إذْ لا معنى للحفظِ مِن شيطانٍ لا يَسَّمَّع، وحينئذٍ فلا يلزمُ عودُ الضميرِ إلى {كُلِّ} ، ولا إلى ما أُضيفتْ إليه، وإنَّما هو عائدٌ إلى الجمعِ المستفادِ مِنَ الكلامِ.
وإنْ كانتْ (كُلّ) مضافةً إلى معرفةٍ؛ فقالوا: يجوزُ مراعاةُ لفظِها، ومراعاةُ معناها؛ نحو: (كلُّهُم قائمٌ، أو قائمون) ، وقد اجتمعا في قولِه تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا*لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا*وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 95] ؛ والصوابُ: أنَّ الضميرَ لا يعودُ إليها مِنْ خبرِها إلَّا فردًا مذكَّرًا على لفظِها؛ نحو: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ} ، وقوله تعالى [في الحديث القدسي] : «يَا عِبَادِي؛ كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أطعمْتُه» ، وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «كلُّ الناسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نفسَه، فمُعتِقُها أو مُوبِقُها» ، [و] «كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه» ، و «كُلُّنا لكَ عبدٌ» ، ومِن ذلك: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] .
ص 155
[1] قوله: (كل امرئ ... البيت) ليس في (ب) .
[2] في النسختين: (الناس) ، ولا يستقيم وزنًا.
[3] في (ب) : (وإن) .
[4] في النسختين: (تركتْ) .
[5] في (ب) : (فأعيون) .
[6] في (ب) : (أي) .
[7] في (ب) : (وبل) .
[8] في (ب) : (الآية) .
[9] زيد في النسختين: (في) .
[10] في (ب) : (في) .
[11] {لا يسمعون} : ليست في (ب) .
[12] في (ب) : (يسمون) .
[13] الكلام بتمامه في «مغني اللبيب» (ص 258 - 263) ، وقوله: {إن السمع والبصر ... } الآية ليست في (ب) .