فهرس الكتاب

الصفحة 2138 من 3792

[حديث: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه]

3142 - (لَا هَا اللهِ، إِذًا) : [قال النوويُّ: (في جميعِ رواياتِ المحدِّثينَ في «البخاريِّ» و «مسلمٍ» وغيرِهِما: «إذًا» ؛ بالألفِ قبلَ الذال، وأنكرَهُ الخطَّابيُّ وأهلُ العربيَّةِ) [1] انتهى.

قال النَّحْويُّونَ: وقد يعوَّضُ عن واوِ القَسَمِ في (واللهِ) (هاء) التنبيه، وهمزةُ الاستفهامِ، فَيَجُرَّانِ (الله) كالواو.

وقال المالكيُّ: ليستا [2] عِوضًا عنها وإنْ جرَّا ما بعدَهُما بمقدَّرٍ، ولم يُلفظ به؛ كما أنَّ نصبَ المضارعِ بعدَ الفاءِ ونحوِه بمقدَّرٍ] [3] .

وقال ابنُ مالك [4] _كما [5] رأيتُه في «توضيحِهِ» _:(فيه شاهدٌ على جوازِ الاستغناءِ عن [6] واوِ القَسَم بحرفِ التنبيه، ولا يكونُ هذا الاستغناءُ إلَّا مع «الله» تعالى.

وفي اللفظِ بـ «ها اللهِ» أربعةُ أوجهٍ:

أحدُها: «هالله» ؛ بهاءٍ تليها اللَّامُ مِنْ غيرِ مدٍّ [7] .

الثاني: أنْ يُقالَ: «ها اللهِ» ؛ بألفٍ ثابتةٍ قبلَ اللَّامِ، وهو شبيهٌ بقولِهم: «التقتْ حَلْقَتَا البِطانِ» ؛ بألفٍ ثابتةٍ بين التاءِ واللَّامِ.

والثالث: أنْ يُجمَعَ بين ثبوتِ الألفِ وقطعِ همزةِ «ألله» .

الرابع: أنْ تُحذفَ الألفُ، وتُقطَعَ همزةُ «ألله» .

والمعروفُ في كلامِ العربِ «ها اللهِ ذَا» ، وقد وقعَ في هذا الحديثِ: «إذًا» ، وليس ببعيدٍ.

والعربُ تُقسِمُ بفعلِ الشهادةِ، فتجعلُ له جوابًا كجوابِ القَسَمِ الصريحِ، ومنه قولُه تعالى: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} [المنافقون: 1] ، ثمَّ قال: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] ، فسَمَّى ذلكَ القولَ يمينًا.

ومثلُه قولُ سعيدِ بنِ زيدٍ: «أشهدُ لَسَمِعتُ» [خ¦3198] ، فأَجرَى «أشهدُ» مُجرى «أحلفُ» ، وجعلَ جوابَه فِعلًا ماضيًا مقرونًا باللَّامِ دونَ «قد» ، ومِنَ النَّحْويِّينَ مَنْ يزعُمُ أنَّ هذا الاستعمالَ مخصوصٌ بالشِّعرِ، ويستشهِدُ بقولِ امرئِ القيسِ: [من الطويل]

~ حَلَفْتُ لَهَا بِاللهِ حلْفَةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِ

والصحيحُ: جوازُ استعمالِه في أفصحِ الكلامِ) انتهى.

وقال غيرُه:( «لا ها الله» : يروى «ها» ممدودًا ومقصورًا، وهو قَسَمٌ، «إِذًا» : منوَّنٌ جوابٌ يقتضي التعليل، وفيه حذفٌ؛ أي: يجورُ ولا يعدلُ، وقال جماعةٌ مِنْ أئمَّةِ النُّحاةِ: هذا فيه لَحْنانِ: مدُّها، وإثباتُ الألفِ في «ذا» ، والصوابُ: «لا هالله ذا» ؛ بالقصر في «ها» ، وحذفِ الألفِ مِن «ذا» غيرَ منوَّنٍ، وقالوا: إنَّها «ذا» التي للإشارة، فُصِلَ بينها وبين هاء التنبيه باسم الله تعالى.

وفي «لُمع ابن جِنِّي» : «ها اللهِ ذا» ، فيجَرُّ الاسمُ بها؛ لأنَّها صارتْ بدلًا مِنَ الواو.

وقال أبو البقاء: الجيِّد: «لا ها الله

ص 140

ذا»؛ والتقدير: هذا واللهِ، فأخَّر «ذا» ، ومنهم مَن يقولُ: «ها» بدلٌ مِنْ همزةِ القَسَمِ المبدلةِ مِنَ الواوِ، و «ذا» : مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: هذا ما أحلفُ به، قال: وقد رُوِيَ في الحديث: «إذًا» ، وهو بعيدٌ، ويمكنُ أنْ يُوَجَّهَ بأنَّ تقديرَه: لا واللهِ؛ لا يعطى إذًا.

قال الخطَّابيُّ: كذا رُوِيَ، وإنَّما هو «لا هالله ذا» ، والهاءُ بدلٌ مِنَ الهمزةِ التي تُبدَلُ مِنَ الواو في القَسَمِ؛ كأنَّه يقولُ: لا والله؛ لا يكونُ ذا.

وقيل: تقديرُه: لا هالله ذا متعذِّرٌ أو غيرُ ممكنٍ، فـ «ذا» : مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ، و «لا هاللهِ» ؛ بمعنى: لا والله، الهاءُ بدلٌ مِنَ الواوِ.

وقال صاحبُ «المفهِم» : الرواية المشهورة: «هاء» ؛ بالمدِّ والهمز، و «إذًا» ؛ بالهمز والتنوين التي هي حرفُ جوابٍ، وقد قيَّده بعضُهُم بقصر «هاء» ، وإسقاطِ الألفِ مِنْ «إذًا» ، فيكونُ «ذا» صلةً، وصوَّبه جماعةٌ مِنَ العلماءِ منهم القاضي إسماعيل، والمازنيُّ، وغيرُهما)انتهى.

وقال ابنُ قُرقُول: (كذا رويناه؛ يعني: بقصر «ها» [8] و «إذًا» ، قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ عنِ المازنيِّ: إنَّ الروايةَ خطأٌ، وصوابُه: «لا ها الله ذا» ، و «لا هاء الله ذا» ؛ يعني: بالمدِّ والقصرِ، قال: و «ذا» : صلةٌ في الكلامِ، قال: وليسَ في كلامِهِم: «لا ها الله إذًا» ، قاله [9] أبو زيدٍ، وقال أبو حاتمٍ: يُقالُ في القَسَمِ: «لا ها الله ذا» ، والعربُ تقولُ: «لا هاء الله» ؛ بالهمزِ، والقياسُ تركُ الهمزِ؛ والمعنى: لا واللهِ؛ هذا ما أُقسِمُ به، فأدخلَ اسمَ «اللهِ» بين «ها» و «ذا» ، وقال الخليلُ: «ها» بتفخيمِ الألفِ: تنبيهٌ، وبإمالتِها [10] : حرفُ هِجاءٍ) انتهى.

وقال في «النهايةِ» :(والصوابُ: «لا ها الله ذا» ؛ بحذفِ الهمزةِ؛ ومعناهُ: لا واللهِ لا يكونُ ذا، ولا واللهِ الأمرُ ذا، فحذفَ تخفيفًا، ولكَ [11] في ألفِ «ها» مذهبانِ:

أحدُهما: تُثبِت ألفَها؛ لأنَّ الذي بعدَها مدغمٌ؛ مثلُ: دابَّة.

والثاني: أنْ تحذفَها؛ لالتقاءِ الساكنينِ) .

وقال العلَّامةُ أبو جعفرٍ الأندلسيُّ شيخُ والدي رحمه الله تعالى في «شرح ألفيَّة ابن عبد المعطي» :

(وأمَّا «ها» ؛ فالنَّحْويُّونَ يقولونَ بأنَّ هاء للتنبيه، ونقلَ أبو البقاءِ أنَّها بدلٌ مِنَ الهمزةِ، واعلم أنَّ «ها» عِوضٌ مِنْ واوِ القَسَمِ لا مِنَ الباءِ، والدليلُ على ذلكَ أنَّها مختصَّةٌ بالدخولِ على الجلالةِ، ولو كانتْ عِوضًا مِنَ الباءِ؛ لوقعتْ مواقِعَها، وتأتي في الجوابِ نفيًا [12] وإثباتًا، تقولُ في النفيِ: «لا ها الله ذا» ، وفي الإيجاب: «إي ها الله ذا» .

قال ابنُ مالكٍ: وفي «ها اللهِ» أربعُ لغاتٍ ... فذكرَ اللُّغاتِ المتقدِّمةَ.

ثمَّ قال: واختلفَ النَّحْويُّونَ في قولِهِم: «ها الله ذا» :

فذهبَ الخليلُ أنَّ «ذا» بعضُ المقسَمِ عليه، واختَلَفَ قولُه في أصلِ الكلامِ، فمرَّةً قال: الأصلُ فيه: «ها الله الأمرُ ذا» ، فلفظُ الجلالةِ مخصوصٌ بهاء التنبيه، و «الأمرُ» : مبتدأٌ، و «ذا» : خبرُه، ثمَّ حُذِفَ المبتدأُ، وبَقِيَ الخبرُ؛ وهو «ذا» ، ومرَّة قال: الأصلُ: «اللهِ هذا» ، فلفظُ الجلالةِ مجرورٌ بحرفِ القَسَمِ المحذوفِ، ثمَّ حُذِفَ المبتدأُ الذي هو «الأمرُ» ، فبقيَ «اللهِ هذا» ، فقُدِّمَتْ هاء التنبيه على [13] لفظِ الجلالةِ، فصارَ: «ها

ص 141

اللهِ ذا»، فلفظُ الجلالةِ على هذا ليس مجرورًا بهاء التنبيه؛ بل بحرفِ الجرِّ المقدَّرِ.

وذهبَ الأخفشُ إلى أنَّ «ذا» إشارةٌ، واختَلَفَ قولُه في المشارِ إليه، فقال: هو القَسَمُ، والأصلُ: «ها الله أُقسِمُ قَسَمًا» ؛ المرادُ المبالغةُ في توكيدِ القَسَمِ، ثمَّ حُذِفَ الفعلُ، وبقيَ المصدرُ دليلًا عليه، ثمَّ حُذِفَ المصدرُ، وأُتِيَ بـ «ذا» إشارةً إليه، ومرَّةً قال: «ذا» : بدلٌ مِنْ لفظِ الجلالةِ، فعلى القولِ الأوَّلِ «ذا» في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّه في محلِّ المصدرِ، وعلى القولِ الثاني في موضعِ جرٍّ؛ لأنَّه بدلٌ مِنْ لفظِ الجلالةِ، وهو مجرورٌ، واحتجَّ لكلٍّ من المذهبين.

قال ابنُ الحاجبِ: لا يصحُّ قولُ الخليلِ، ولا قولُ الأخفشِ، أمَّا قولُ الخليلِ؛ فلأنَّ المقسَمَ عليه على ما قرَّرَه مُثبَتٌ، لكنَّ المعنى المستعملَ في هذا اللفظ هو أن يكونَ المقسَمُ عليه منفيًّا؛ دليلُه: استقراءُ [14] كلامِهِم، وإذا كان كذلك؛ وجبَ تقديرُه منفيًّا، وإذا قُدِّرَ منفيًّا؛ بطلَ تقديرُ الخليلِ، وأمَّا قولُ الأخفشِ؛ فلأنَّه أجازَ حذفَ المقسَمِ عليه بأصلِه، وهو خلافُ الأصلِ، وجعلَ «ذا» إشارةً إلى القسمِ، ولم يُوجَدْ له نظيرٌ في كلامِهِم، قال ابنُ الحاجبِ: ولو قيل: إنَّ «ذا» هو المقسَمُ عليه لا على الوجه الذي ذكرَهُ الخليلُ؛ بل على معنى أنْ يُقدَّرَ الجوابُ منفيًّا؛ وهو: لا يفعل ذا، أو: لا يكون ذا؛ لكانَ مستقيمًا) انتهى.

[قوله: (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ) : قال الطِّيبيُّ:( «عن الله» : فيه وجهانِ: أحدُهما: أنْ تكونَ «عن» صلةً، فيكونَ المعنى: يصدرُ قِتالُه عن رضا الله ورسوله؛ أي: بسببِهِما؛ كقولِه تعالى: {مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ، وقولِ الشاعرِ: [من المنسرح]

يُنْهُوْنَ عَنْ أَكْلٍ وَعَنْ شُرْبِ

وثانيهما: أنْ يكونَ حالًا؛ أي: يُقاتلُ ذابًّا عن دينِ اللهِ أعداءَ اللهِ ناصرًا لأولياءِ اللهِ) ] [15] .

[1] «المنهاج شرح مسلم» (12/ 286) .

[2] في (ب) : (ليست) .

[3] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد هذا الموضع، ولعلَّ الصواب هو المثبت.

[4] في (ب) : (هشام) .

[5] (كما) : ليست في (ب) .

[6] في (ب) : (من) .

[7] (من غير مد) : ليست في (ب) .

[8] في النسختين: (بقصر الهمزة) ، والمثبت من مصدره.

[9] في النسختين: (وقاله) بالواو.

[10] في النسختين: (وبالألف) ، والمثبت من «المشارق» .

[11] في النسختين: (وذلك) .

[12] في النسختين: (نصًّا) .

[13] (على) : ليست في (أ) .

[14] في النسختين: (استقرار) .

[15] ما بين معقوفين جاء في (ب) في غير هذا الموضع، والصواب المثبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت