بسم الله الرحمن الرحيم
اللَّهُمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِه وسلِّم [1]
[مقدِّمةُ المؤلِّف]
الحمدُ لله رافعِ فاعلِ كلِّ خيرٍ ومُعْلِيه، وخافضِ عاملِ كلِّ ضيرٍ ومُولِيه، الذي خصَّصَ مَنِ اجتباهُ بالإضافةِ إليه والتمييزِ لأفضلِ الأحوالِ، وعَطَفَ على مَنِ ارتضاهُ فهيَّأَهُ لشريفِ الصفاتِ وتزكيةِ الأقوال، الذي نَصَبَ سيِّدَنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَلَمًا ظاهرًا للاهتداء، ورَفَعَ اسمَه وخبرَهُ ومَنْ تابعَه مِنَ الابتداء، وعرَّفَ مجموعَ الخلائقِ بركةَ ضميرِه السالم، ونكَّرَ جملةَ أبنيةِ الكفرِ بعزمِهِ الجازم، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله الذين جَعَلَهُم مصدرًا لصحيحِ الأفعالِ، وأصحابِه الموصوفينَ بالسلامةِ عنِ الهمْزِ واللَّمْزِ والتضعيفِ والاعتلالِ، ما تركَّبَ مُرَكَّبٌ وأفادَ كلامٌ، ووصلَ كلمةً ألفٌ ولامٌ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
وبعدُ:
فقد روينا عنِ الصادقِ المصدوقِ أفصحِ مَنْ نَطَقَ بالضاد أنَّه قال: «مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
وروينا عن شُعبةَ قال: (مَنْ طَلَبَ الحديثَ ولم يُبصِرِ العربيَّةَ؛ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ عليه بُرْنُسٌ ليسَ له رأسٌ) أو كما قال.
وعن حمَّادِ بنِ سلمةَ قال: (مَثَلُ الذي يطلُبُ الحديثَ ولا يعرِفُ النَّحْوَ؛ مَثَلُ الحمارِ عليه مِخْلَاةٌ لا شعيرَ فيها) .
وروينا عن الأصمعيِّ _ واسمُه عبدُ الملِكِ بنُ قُرَيبٍ بالموحَّدةِ في آخِرِه _ أنَّه قال: (إنَّ أخوفَ مَا أخافُ على طالبِ العِلْمِ إذا لم يعرِفِ النَّحْوَ: أَنْ يدخُلَ في جملةِ قولِهِ عليه السلام: «مَنْ كَذَبَ عليَّ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النَّارِ» ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحنُ، فمهما رَوَيتَ عنه ولَحَنْتَ فيه؛ كذبتَ عليه) ، فينبغي للمحدِّثِ ألَّا يروِيَ حديثَه بقراءةِ لَحَّانٍ أو مُصَحِّفٍ.
وقد روينا عن النَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ _ بالمعجمة في اسمه، وبالمعجمة المضمومة في اسم أبيه _ قال: (جاءتْ هذه الأحاديثُ عن الأصل مُعْرَبَةً) .
فحقٌّ على طالبِ الحديثِ أن يتعلَّمَ مِنَ النَّحْوِ واللُّغَةِ ما يتخلَّصُ به من شَينِ اللَّحْنِ والتحريفِ ومَعَرَّتِهِما، وأمَّا التصحيفُ؛ فسبيلُ السلامةِ منه الأخذُ من أفواهِ أهلِ العِلْم والضبطِ؛ فإنَّ مَنْ حُرِمَ ذلك وكانَ أَخْذُهُ وتعلُّمُهُ من بطون الكتب؛ كان مِنْ شأنِهِ التحريفُ، ولم يُفْلِتْ مِنَ التبديلِ والتصحيفِ.
ص 3
وروينا بالسند إلى عاصمٍ قال: (أوَّلُ مَنْ وَضَعَ العربيَّةَ [2] أبو الأسود الدِّيليُّ [3] ، فجاء إلى زيادٍ بالبصرةِ، فقال: إنِّي أرى العربَ قد خالطتِ الأعاجمَ فتغيَّرتْ ألسنَتُهم، أفتأذَنُ لي أَنْ أضعَ للعربِ كلامًا يُعرِبونَ ويُقيمونَ به كلامَهم؟ فقال: لا، فجاءَ رجلٌ إلى زيادٍ، فقال: أصلحَ اللهُ الأميرَ؛ توفِّيَ أبانا فتَرَكَ بَنُونَ، فقال: ادْعُ لي أبا الأسودِ، فقال: ضَعْ للنَّاسِ الذي نَهيتُكَ أن تضعَ لهم) .
وروينا عن أبي عُبَيْدَةَ قال: أوَّلُ مَنْ وضعَ النَّحْوَ أبو الأسودِ الدِّيليُّ، ثمَّ ميمونٌ، ثم عنبسةُ الفيلُ، ثم عبدُ اللهِ بنُ أبي إسحاقَ، قال: ووضعَ عيسى بن عمر في النَّحْوِ كتابين؛ سَمَّى أحدَهُما: «الجامعَ» ، والآخَرَ: «المكمَّلَ» ، فقال الشاعرُ: [من الرمل]
~ بَطَلَ النَّحْوُ جميعًا [كلُّهُ] غيرَ ما أحدثَ عيسى بنُ عُمَرْ
~ ذاكَ «إكمالٌ» وهذا «جامعٌ» وهُما للنَّاسِ شمْسٌ وقَمَرْ
وروينا بالسند إلى أبي الحسنِ المُرْهبيِّ قال: أنشدني عنبسةُ بنُ النَّضْرِ لعليِّ بنِ حمزةَ: [من الرَّمَل]
~ إِنَّما النَّحْوُ قِياسٌ يُتَّبَعْ وبِهِ في كلِّ أمْرٍ يُنْتَفَعْ
ومنها:
~ كَمْ وَضِيعٍ رَفَعَ النَّحْوُ وكَمْ مِنْ شريفٍ قَدْ رأيناهُ وَضَعْ
وسَبَبُ تَعَلُّمِ سيبويهِ النَّحْوَ: (أنَّه جاء إلى حمَّادِ بنِ سلمةَ لكتابةِ الحديثِ، فاستملى قولَهُ عليه السلام: «ليسَ مِنْ أصحابي أحدٌ إلَّا ولو شئتُ لأخذتُ عليه ليسَ أبا الدرداء» ، فقال سيبويهِ: أبو، فصاحَ بهِ حمَّادٌ: لَحَنْتَ يا سيبويه، إنَّما هذا استثناءٌ، فقال: واللهِ؛ لَأَطلُبَنَّ عِلْمًا لا تُلَحِّنُنِي معه، ثمَّ مضى، ولَزِمَ الأخفشَ وغيرَه) انتهى.
وكنتُ قد قرأتُ «الجامعَ الصحيحَ» للإمامِ شيخِ الإسلامِ البخاريِّ قدَّسَ اللهُ سِرَّهُ غير ما مرة [4] ، وتطلَّبتُ إعرابًا عليه، فرأيتُ أصمعيَّ زمانِهِ جمالَ الدين رحمه الله تعالى قد كتب على أماكن منه، ورأيتُ مَنِ انتقد عليه في أماكن، فضممتُ هذا إلى هذا، وزدتُ عليه أشياءَ من كلامِ الأئمَّةِ؛ كأبي البقاء، وابن الأبرش، والقاضي عياض [5] ، والحَمْزِيِّ، والنَّوَوِيِّ، والطِّيبِيِّ، والتُّورْبَشْتِيِّ، والكَرْمانِيِّ، والبِرْماوِيِّ، وشيخنا الحافظ، وسيِّدي الوالد رحمهم الله تعالى، التقطتُها من أثناء كلامِهم؛ لأنَّهم لم يُفرِدوا هذا الفنَّ بالتأليف، فصار مجموعًا حسنًا، وسَمَّيتُهُ بـ:
«النَّاظِر الصَّحِيح عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح»
وقد زدتُ عليه أشياءَ، فمَنْ أرادَ الزيادةَ؛ فلينظر مؤلَّفي المُسَمَّى بـ «مصابيح الجامع» [6] ؛ فإنَّه جامعٌ نافعٌ.
واللهَ تعالى أسألُ أن ينفعَ به؛ إنَّه سميعٌ مُجيبٌ.
ص 4
[1] في (ب) : {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا} [الكهف: 10] .
[2] في (ب) : (النحو) .
[3] كذا في النسختين.
[4] قوله: (غير ما مرة) ليس في (ب) .
[5] قوله: (عياض) ليس في (ب) ، وغير واضح في (أ) .
[6] قوله: (وقد زدت أشياء .. .) إلى هنا غير ظاهر في (أ) .