فهرس الكتاب

الصفحة 3014 من 3792

[حديث: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم]

5634 - (إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَار جَهَنَّمَ) : قال الزركشيُّ:(بضمِّ الراءِ وفتحِها، فمَنْ نَصَبَ؛ جعلَ الجرجرةَ بمعنى الصَّبِّ؛ أي: إنَّما يصُبُّ في بطنِه نارَ جهنَّمَ، ومَنْ رَفَعَ؛ فالجرجرةُ الصوتُ، ويصحُّ النصبُ على أنَّ هذا الفعلَ عُدِّيَ إليه، وإليه ذهبَ

ص 191

الأزهريُّ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» ، وهو يقوِّي روايةَ النصبِ.

وقال ابنُ السِّيد: يجوزُ في «نار» الرفعُ والنصبُ، فمَنْ رفعَ؛ فعلى خبرِ «إِنَّ» ، وجعلِ «ما» بمعنى: الذي؛ كأنَّه قال: الذي يُجرجِرُ في بطنِه نارُ جهنَّم، ومَن نصبَه؛ جعل «ما» صلةً لـ «إِنَّ» ، وهي التي تَكُفُّ عنِ العملِ، ونَصَبَ «النَّارَ» [بـ] «يُجَرْجِرُ» ، ونظيرُه قولُه تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحِرٍ} [طه: 69] ؛ برفعِ «الكيد» ونصبِه على الوجهينِ، قال: ويجبُ إذا جُعِلتْ «ما» بمعنى: «الذي» أنْ تُكتَبَ منفصلةً مِن «إِنَّ» )انتهى.

وقال شيخنا في «الفتح» :( «إنَّما يُجَرْجِرُ» ؛ بضمِّ التحتانيَّةِ، وفتحِ الجيمِ، وسكونِ الراءِ، ثمَّ جيمٍ مكسورةٍ، ثمَّ راءٍ، مِنَ الجرجرةِ؛ وهو صوتٌ يُردِّدُهُ البعيرُ مِنْ حَنْجَرَتِه إذا هاجَ؛ نَحْو صوتِ اللِّجامِ في فكِّ الفرسِ.

قال النوويُّ: اتَّفقوا على كسرِ الجيمِ الثانيةِ مِنْ «يُجَرْجِر» ، وتُعُقِّبَ بأنَّ الموفَّق بن حمزة في كلامِه على «المهذَّب» حكى فتحَها، وحكى ابنُ الفِركاح عن والده أنَّه قال: رُوِيَ: «يُجَرْجر» ؛ على البناءِ للفاعلِ والمفعولِ، وكذا جوَّزَه ابنُ مالكٍ في «شواهد التوضيح» ، نعم؛ ردَّ ذلك ابنُ أبي الفتحِ تلميذُه، فقال في جُزءٍ جَمَعه في الكلام على هذا المتن: لقد كَثُرَ بحثي على أنْ أرى أحدًا رواه مبنيًّا للمفعولِ؛ فلم أجِدْهُ عندَ أحدٍ مِنَ الحفَّاظِ للحديثِ، وإنَّما سمعناه مِنَ الفقهاءِ الذين ليست لهم عنايةٌ بالرواية، وسألتُ أبا الحسين اليونينيَّ، فقال: ما قرأتُ على والدي ولا على شيخِنا المنذريِّ إلَّا مبنيًّا للفاعلِ، قال: ويبعُدُ اتِّفاقُ الحفَّاظِ قديمًا وحديثًا على تركِ روايةٍ ثابتةٍ، قال: وأيضًا فإسنادُه إلى الفاعلِ هو الأصلُ، وإسنادُه إلى المفعولِ فَرْعٌ، فلا يُصارُ إليه بغيرِ حاجةٍ، وأيضًا فإنَّ علماءَ العربيَّةِ قالوا [1] : يُحذَفُ الفاعلُ إمَّا للعلمِ به، أو للجهلِ به، أو إذا تُخُوِّفَ منه، أو عليه، أو لشرفِهِ، أو لحقارتِهِ [2] ، أو لإقامةِ وزنٍ، وليس هنا شيءٌ مِنْ ذلكَ.

قولُه: «فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» : وقعَ للأكثرِ بنصبِ «نار» على أنَّ الجرجرةَ بمعنى الصَّبِّ أو التجَرُّعِ، فيكونُ «نارَ» [3] منصوبًا على المفعوليَّةِ، والفاعلُ: الشارب؛ أي: يصبُّ أو يتجرَّعُ، وجاءَ الرفعُ على أنَّ الجرجرةَ هي التي تصوِّتُ في البطنِ.

قال النوويُّ: النصبُ أشهرُ، وتؤيِّدُه روايةُ عثمان بن مُرَّة عند مسلمٍ [م: 2065/ 2] بلفظِ: «فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» ، وأجازَ الأزهريُّ النصبَ على أنَّ الفعلَ عُدِّيَ إليه، وابنُ السِّيدِ الرفعَ على أنَّه خبرُ «إِنَّ» ، و «ما» : موصولةٌ، قال: ومَنْ نَصَبَ؛ جعلَ «ما» زائدةً كافَّةً لـ «إنَّ» [4] عنِ العملِ، وهوَ نحوُ: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] ، فقُرِئَ برفعِ {كَيْدُ} ونصبِه، ويدفَعُهُ أنَّه لم يقعْ في شيءٍ مِنَ النُّسَخِ بفصلِ «ما» مِنْ «إِنَّ» ، وقولُهُم: «إِنَّ النَّارَ تُصَوِّتُ فِي بَطْنِهِ كَمَا يُصَوِّتُ الْبَعِيرُ بِالْجَرْجَرَةِ» : مجازُ تشبيهٍ؛ لأنَّ النارَ لا صوتَ لها، كذا قيلَ، وفي النفيِ نظرٌ لا يَخفى) انتهى.

وقال النوويُّ في «شرح مسلم» : (الصحيحُ المشهورُ النصبُ، ورجَّحهُ الزَّجَّاجُ، والخطَّابيُّ، والأكثرونَ، ويُؤيِّدُهُ الروايةُ الثالثة [5] : «نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» ، وروينا في «مسندِ الإسفراينيِّ» مِن روايةِ عائشةَ رضي الله عنها: «فِي جَوْفِهِ نَارًا» مِن غيرِ ذِكْرِ «جهنَّمَ» ) .

وقال الزمخشريُّ في «الفائقِ» : (الأكثرُ النصبُ، فالشاربُ هو الفاعلُ، والنار مفعولُه، يُقالُ: جَرْجَرَ فلانٌ الماءَ؛ إذا جَرَعَهُ جَرْعًا متواترًا له صوتٌ؛ فالمعنى: كأنَّما يَجْرَعُ نارَ جهنَّمَ، وأمَّا الرفعُ؛ فمجازٌ؛ لأنَّ جهنَّمَ على الحقيقةِ لا تُجَرْجِرُ في جوفِهِ، والجرجرةُ: صوتُ البعيرِ عندَ الضجرِ، ولكنَّه جُعِلَ منه صوتُ جَرْعِ الإنسانِ للماءِ في هذِهِ الأواني المخصوصةِ؛ لوقوعِ النهيِ عنها، واستحقاقُ العقابِ على استعمالِها في جرِّهِ نار جهنَّمَ في بطنِهِ مِنْ طريقِ المجازِ) .

[1] في (أ) : (قال) .

[2] في (أ) : (لحياته) ، والمثبت من مصدره.

[3] في (أ) : (نارًا) .

[4] في (أ) : (كافة لا) .

[5] في (أ) : (الثانية) ، والمثبت من مصدره، ومراده الرواية الثالثة عند مسلم (2065) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت