فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 3792

[حديث: إذا قال الإمام{غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.. ]

782 - ( {غَيْرِ المَغْضُوبِ} ) : {غَيْرِ} : بدلٌ مِنَ {الَّذِينَ} نكرةٌ مِنْ معرفةٍ، وقيل: نعتٌ لـ {الَّذِينَ} ، وهو مُشكلٌ؛ لأنَّ {غَيْرِ} نكرةٌ، و {الَّذِينَ} معرفةٌ، وأجابوا عنه بجوابينِ:

الأوَّل: أنَّ (غير) إنَّما يكونُ نكرةً إذا لم يقعْ بينَ ضِدَّينِ، فأمَّا إذا وقع بينَ ضِدَّينِ؛ فقدِ انحصرتِ الغَيْرِيَّةُ؛ فتتعرَّفُ (غير) حينئذٍ بالإضافةِ؛ تقولُ: مررتُ بالحركة غيرِ السُّكونِ، والآيةُ مِنْ هذا القبيلِ، وهذا إنَّما يتمشَّى على مذهبِ ابنِ السَّرَّاج، وهو مرجوحٌ.

الثَّاني: أنَّ الموصولَ أشبَهَ النَّكراتِ في الإبهامِ الَّذي فيه، فعُومِلَ معاملةَ النَّكراتِ.

وقيل: إنَّ {غَيْرِ} بدلٌ مِنَ المضمرِ المجرورِ في {عَلَيْهِمْ} ، وهذا يُشْكِلُ على قولِ مَنْ يرى أنَّ البدلَ يَحلُّ محلَّ المبدَلِ منه، ويُنْوى بالأوَّلِ الطَّرْحُ؛ إذْ يلزمُ منه خُلُوُّ الصِّلةِ عنِ العائدِ، أَلَا تَرى أنَّ التَّقديرَ يصيرُ: صراطَ الذينَ أنعمتَ [على] غير المغضوب عليهم.

و {الْمَغْضُوبِ} خُفِضَ بالإضافةِ، وهو اسمُ مفعولٍ، والقائمُ مَقامَ المفعولِ الجارُّ والمجرورُ، فـ {عَلَيْهِمْ} الأُولى: منصوبةُ المحلِّ، والثَّانية: مرفوعتُه [1] ، و (أَلْ) فيه موصولةٌ، والتَّقديرُ: غيرِ الذينَ غُضِبَ عليهم، والصَّحيحُ في (أَلْ) الموصولةِ: أنَّها اسمٌ، لا حرفٌ.

وقُرِئَ: {غَيْرَ} نصبًا، فقيلَ: حالٌ مِنَ {الَّذِينَ} ، وهو ضعيفٌ؛ لمجيئِهِ مِنَ المضافِ إليه في غيرِ المواضعِ الجائزِ فيها ذلك، وقيل: مِنَ الضَّميرِ في {عَلَيْهِمْ} ، وقيل: على الاستثناءِ المنقطعِ، ومَنَعَه الفرَّاءُ، قال: (لأنَّ «لا» لا تُزادُ إلَّا إذا تقدَّمها نفيٌ؛ كقولِه: [من البسيط]

~ مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُما [2] وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ

ص 68

وأجابوا: بأنَّ (لا) صلةٌ زائدةٌ؛ مثلُها في قولِه تعالى: {أَنْ لَا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ، وقولِ الشَّاعرِ: [من الطويل]

~ أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ نَائِلُهْ

فـ (لا) في هذِه المواضعِ صلةٌ.

وفي هذا الجوابِ نظرٌ؛ لأنَّ الفرَّاءَ لم يقُل: إنَّها غيرُ زائدةٍ، فقولُهم: إنَّ (لا) زائدةٌ وتنظيرُهم لها بالمواضعِ المتقدِّمةِ لا يُفيدُ، وإنَّما تحريرُ الجوابِ أنْ يقولوا: وُجِدَتْ (لا) زائدةً مِنْ غيرِ تقدُّمِ نفيٍ كهذِه المواضعِ المتقدِّمةِ، ويَحتملُ أنْ تكونَ (لا) في قوله: (لا البُخْلَ) مفعولًا به لـ (أَبَى) ، ويكونَ نصبُ (البُخْلَ) على أنَّه بدلٌ مِنْ (لا) ؛ [أي] : أبى جودُه قولَ: لا، وقولُ: (لا) هو البخل، ويُؤيِّدُ هذا قولُه: (وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ) ، فجعلَ (نَعَمْ) فاعلَ (اسْتَعْجَلَتْ) ؛ فهو مِنَ الإسنادِ اللفظيِّ؛ أي: أبى جُودُه هذا اللفظَ، واسْتعجَلَ به هذا اللفظُ.

وقيل: إنَّ نصْبَ {غَيْرَ} بإضمارِ: أعني، ويُحكى عنِ الخليلِ.

وقدَّر بعضُهم بعدَ {غَيْرَ} محذوفًا، قال: التَّقديرُ: غيرَ صراطِ المغضوبِ، وأطلقَ هذا التَّقديرَ، ولم يقيِّدْهُ بجرِّ {غَيْرَ} ، ولا نصبِه، ولا يتأتَّى إلَّا مع نصبِها، وتكونُ صفةً لقولِه: {الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه متى اجتمعَ البدلُ والوصفُ؛ قُدِّمَ الوصفُ، فالأَولى أنْ يكونَ صفةً لـ {صِرَاطَ الَّذِينَ} ، ويجوزُ أنْ يكونَ بدلًا من {الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} ، أو مِنْ {صِرَاطَ الَّذِينَ} إلَّا أنَّه يلزمُ منه تَكرارُ البدلِ، وفي جوازِه نظرٌ، وليس في المسألةِ نقلٌ، إلَّا أنَّهم قد ذكروا ذلكَ في بدلِ البَداء [3] خاصَّةً، أو حالًا من {الصِّرَاطَ} الأوَّل والثَّاني.

واعلم أنَّه حيثُ جعلْنا (غير) صفةً؛ فلا بُدَّ مِنَ القولِ بتعريفِ (غير) ، أو بإبهامِ الموصوفِ وجريانِه مَجرى النَّكرةِ، كما قُرِّرَ في كتبِ النَّحْو، واللهُ أعلم.

(وَنَعِيْمٌ الُمجْمِرُ) : بالرَّفعِ.

[1] في (ب) : (مرفوعةٌ) .

[2] في النسختين: (فعلتها) ، ويروى: (فعلهم) و (دينهم) .

[3] في النسختين: (النداء) ، ولا يصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت