فهرس الكتاب

الصفحة 1691 من 3792

[حديث: إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا]

2269 - (وَالْيَهُود) : قال الكرمانيُّ: (عطفٌ على المضمرِ [1] المجرورِ بدونِ إعادةِ الخافضِ، وهو جائزٌ) انتهى.

وكذا في كلامِ والدي، ثم نقلَ بعضَ كلامِ ابنِ مالكٍ الآتي.

وقال شيخُنا: (وجدتُه مضبوطًا في أصلِ أبي ذرٍّ بالنصبِ، وهو موجَّهٌ على إرادةِ المعيَّةِ) انتهى.

وقال العلَّامةُ ابنُ مالكٍ:( «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودِ» تضمَّنَ هذا الحديثُ العطفَ على ضميرِ الجرِّ بغيرِ إعادةِ الجارِّ، وهو ممنوعٌ عندَ البصريِّينَ إلَّا يونسَ، وقُطْرُبًا، والأخفشَ، والجوازُ أصحُّ مِنَ المنعِ؛ لضعفِ احتجاجِ المانعينَ، وصحَّةِ استعمالِه نثرًا ونظمًا.

أمَّا ضعفُ احتجاجِهِم؛ فبيِّنٌ، وذلكَ أنَّ لهم حُجَّتينِ:

إحداهُما: أنَّ ضميرَ الجرِّ شبيهٌ بالتنوينِ،

ص 119

ومُعاقِبٌ له، فلم يَجُزِ العطفُ عليه؛ كما لا يُعطَفُ على التنوينِ.

الثاني: أنَّ حقَّ المعطوفِ والمعطوفِ عليه أنْ يصحَّ [2] حُلولُ كلِّ واحدٍ منهُما محلَّ الآخرِ، وضميرُ الجرِّ لا يصحُّ حُلولُه محلَّ ما يُعطَفُ، فمُنِعَ العطفُ عليه إلَّا بإعادةِ حرفِ الجرِّ؛ نحو: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ} [فصلت: 11] .

والحُجَّتانِ ضعيفتانِ، أمَّا الأُولى؛ فيدُلُّ على ضعفِها أنَّ شَبَهَ الضميرِ بالتنوينِ ضعيفٌ، فلا يترتَّبُ عليه إيجابٌ ولا منعٌ، ولو مَنَعَ مِنَ العطفِ عليه؛ لَمَنَعَ مِنْ توكيده، ومِنَ الإبدالِ منه؛ لأنَّ التنوينَ لا يُؤكَّدُ ولا يُبدَلُ منه، [وضميرُ الجرِّ يُؤَكَّدُ ويُبدَلُ منه] بإجماعٍ، فللعطفِ عليه أُسوةٌ بهما.

وأمَّا الثانيةٌ؛ فيدُلُّ على ضعفِها أنَّه لو كانَ حلولُ كلِّ واحدٍ مِنَ المعطوف والمعطوف عليه محلَّ الآخرِ شرطًا في صِحَّةِ العطفِ؛ لم يَجُزْ: «رُبَّ رَجُلٍ وأخيه» ، ولا «كَمْ ناقةٍ لكَ وفصيلَها» ، ولا «الواهبُ الأمَةِ وولدِها» ، ولا «زيدٌ وأخوه منطلقانِ» ، وأمثالُ ذلكَ مِنَ المعطوفاتِ الممتنِعِ تقديمُها وتأخيرُ ما عُطِفَتْ عليه كثيرٌ، فكما لم يمتنعْ فيها العطفُ لا يمتنعُ في: «مررتُ بكَ وزيدٍ» ، ونحوه، ولا [في] : «إنَّما مَثَلُكُم واليهودِ والنصارى» .

ومِنْ مؤيِّداتِ الجوازِ: قولُه تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ [وَكُفْرٌ بِهِ] وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] ؛ فجُرَّ {الْمَسْجِدِ} بالعطفِ على الهاءِ المجرورةِ بالباءِ، لا بالعطفِ على {سَبِيلِ} ؛ لاستلزامِهِ العطفَ على الموصولِ _وهو «الصَّدُّ» _ قبلَ تمامِ صِلتِهِ؛ لأنَّ {عَنْ سَبِيلِ} صلةٌ له؛ إذْ هو متعلِّقٌ به، و {كُفْرٌ} معطوفٌ على «الصَّدِّ» .

فإنْ جُعِلَ {الْمَسْجِدِ} معطوفًا على {سَبِيلِ} ؛ كانَ مِنْ تمامِ الصِّلةِ لـ «الصَّدِّ» ، و {كُفْرٌ} معطوفٌ عليه، فيلزمُ ما ذكرتُه مِنَ العطفِ على الموصولِ قبلَ تمامِ الصِّلةِ، وهو ممنوعٌ بإجماعٍ.

فإنْ عُطِفَ على الهاءِ؛ خَلُصَ مِنَ ذلك، وحُكِمَ برُجحانِهِ؛ لِتَبَيُّنِ بُرهانِه.

ومِنْ مؤيِّداتِ الجوازِ: قراءةُ حمزةَ: {وَالْأَرْحَامِ} [النساء: 1] ؛ بالخفضِ، وهي أيضًا قراءةُ ابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ، ومجاهدٍ، وقَتادةَ، والنَّخَعيِّ، والأعمشِ، ويحيى بنِ وثَّابٍ، وأبي رَزِينٍ.

ومِنْ مؤيِّداتِه: قولُ بعضِ العربِ: «ما فيها غيرُهُ وفرسِه» .

وأجازَ الفرَّاءُ: أنْ يكونَ {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} معطوفًا على {لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الحجر: 20] .

وأنشد سيبويه [من البسيط] :

~ فَالْيَومَ قَدْ بِتَّ تَهْجُونَا وَتَشْتِمُنَا فََرهب وما بك والأيام من ر: 20]، منه اذْهَبْ وَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ

وجَعَلَ الزمخشريُّ في كتابِ «الكشَّاف» {أَشَدَّ} معطوفًا على الكاف والميم من: {فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ} [البقرة: 200] ، ولم يُجِزْ عطفَه على «الذِّكْرِ» .

والذي ذهبَ إليه هو الصحيحُ؛ لأنَّه لو عُطِفَ على «الذِّكْرِ» [3] ؛ لكانَ [4] {أَشَدَّ} صفةً لـ «ذِكْر» ، وامتنعَ نصبُ «الذِّكْرِ» بعدَه؛ لأنَّكَ لا تقولُ: ذِكْرُكَ أشدُّ ذِكْرًا، وإنَّما تقولُ: ذِكْرُكَ أشدُّ ذِكْرٍ، وتقولُ: أنتَ أشدُّ ذِكْرًا، ولا تقولُ: أنتَ أشدُّ ذِكْرٍ؛ لأنَّ الذي يلي «أفعلَ» التفضيلِ مِنَ النكراتِ إنْ جُرَّ؛ فهو كُلٌّ لـ «أَفْعَلَ» ، و «أَفْعَلُ» بعضٌ له، وإنْ نُصِبَ؛ فهو

ص 120

فاعلٌ في المعنى للفعلِ الذي صِيغَ منه «أَفْعَلُ» ؛ ولذلكَ تقولُ: أنتَ أكبرُ رجلٍ، وأكثرُ مالًا، فـ «أكبرُ» بعضُ ما جُرَّ به، و «أكثرُ» بمنزلةِ فِعْلٍ، وما انْتَصَبَ به بمنزلةِ فاعلٍ؛ كأنَّكَ قلتَ: كَثُرَ مالُكَ، أو فاقَ مالُكَ غيرَه كَثْرَةً.

فقدْ تبيَّنَ بالدلائلِ التي أوردتُها صِحَّةَ العطفِ على ضميرِ الجرِّ بدونِ إعادةِ العاملِ، واعتضدتْ روايةُ جرِّ «اليهودِ والنصارى» في الحديثِ المذكور، ولو رُوِيَ بالرفعِ؛ لجازَ [5] على تقديرِ: ومَثَلُ اليهودِ، ثمَّ يُحذَفُ المضافُ، ويُعطَى المضافُ إليه إعرابَه) انتهى.

إشارةٌ: هذِهِ المسألةُ اختَلَفَ النُّحاةُ فيها على ثلاثةِ مذاهبَ:

أحدُها _ وهو مذهبُ الجمهورِ مِنَ البصريِّينَ _: وجوبُ إعادةِ الجارِّ إلَّا في ضرورةٍ.

الثاني: أنَّه يجوزُ، وذلكَ في السَّعَةِ مُطلقًا، وهو مذهبُ الكوفيِّينَ، وتَبِعَهُم أبو الحسنِ [6] ، ويونُسُ، والشَّلَوبِينُ.

الثالثُ: التفصيلُ؛ وهو إِنْ أُكِّدَ الضميرُ؛ جازَ العطفُ مِنْ غيرِ إعادةِ الخافضِ؛ نحو: «مررتُ بكَ نفسِكَ وزيدٍ» ، وإلَّا؛ فلا يجوزُ إلَّا ضرورةً، وهذا قولُ الحوفيِّ.

قال الشهابُ: (والذي ينبغي أنَّه يجوزُ مطلقًا؛ لكثرةِ السماعِ الواردِ به، وضعفِ دليلِ المانعينَ، واعتضادِهِ بالقياسِ، أمَّا السماعُ؛ ففي النثرِ؛ كقولِهم: «ما فيها غيرُه وفرسِه» ؛ بجرِّ «فرسِه» عطفًا على الهاءِ في «غيرُه» ، والآيةِ الكريمة [7] ) انتهى.

وقال في «المتوسِّط» :(وأمَّا قولُه تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} [النساء: 1] في بعضِ القراءاتِ؛ فغيرُ مُتعيِّنٍ لوقوعِه للعطفِ؛ لاحتمالِ كونِ [8] الواوِ للقسمِ، وأمَّا قولُه:

~ ... ... ... ... ... ... ... . فََرهب وما بك والأيام من ر: 20]، منه اذْهَبْ .. ... ... ... ... ... ... .

البيتَ؛ فشاذٌّ، لا يُقاسُ عليه [9] ، ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ البيتَ غيرُ مُتعيِّنٍ؛ لاحتمالِ أنْ تكونَ الواوُ للقَسَمِ؛ لأنَّا نقولُ: لا يحتملُ ذلكَ؛ لأنَّ مرادَ الشاعرِ أنَّ غيرَ هذا ليسَ بعجبٍ منكَ ومِنَ الأيَّامِ، وإنَّما ذَكَرَ «الأيَّامَ» ههنا للذمِّ، فلا يُقسَمُ بها، ويدُلُّ عليه أوَّلُ البيتِ ... فذَكَرَ أوَّلَه) انتهى.

وقال في «الكبير» : (إنَّ القراءةَ مردودةٌ غيرُ صحيحةٍ، والصحيحُ النصبُ على حذفِ المضافِ؛ أي: اتَّقوا اللهَ الَّذِي تساءلونَ به، وقطعَ الأرحامِ) انتهى.

وقال في «النيلي» : (قيل: الشعرُ موضعُ ضرورةٍ، وقيل: أرادَ الباءَ، ثمَّ حذفَها، وقيل: الواوُ للقَسَمِ، وقد أقسمَ بـ «الأيَّام» ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقسمَ بالزمانِ؛ نحو: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ} [الضحى: 1 - 2] ، وقيل: أرادَ: ورَبِّ الأيَّامِ، فحَذَفَ المُقْسَمَ به) انتهى.

[1] في (ب) : (الضمير) .

[2] (أن يصح) : ليست في (ب) .

[3] في (ب) : (ذكر) .

[4] في (ب) : (كان) .

[5] في (ب) : (جاز) .

[6] أي: الأخفش.

[7] أي: قوله تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} (النساء: 1) ، على قراءة الإمام حمزة ومَن تقدَّم من الصحابة والتابعين.

[8] في (ب) : (أن تكون) .

[9] (لا يقاس عليه) : ليس في (ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت