فهرس الكتاب

الصفحة 3609 من 3792

[حديث: إنه أتاني الليلة وإنهما ابتعثاني ... ]

7047 - (مِمَّا يُكْثِرُ) : لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: (يَعْنِي: مِمَّا يُكْثِرُ) ، وله عن غيرِه بإسقاطِ: (يعني) ، وكذا وقعَ عندَ الباقينَ، وفي روايةِ النسفيِّ، وكذا في روايةِ محمَّد بنِ جعفرٍ: (مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ) ، ونقلَ ابنُ مالك أنَّها بمعنى: ممَّا يُكْثِرُ.

قال الطِّيبيُّ:( «مِمَّا يُكْثِرُ» : خبرُ «كَانَ» ، و «ما» : موصولةٌ، و «يُكْثِرُ» : صلتُهُ، والضميرُ الراجعُ إلى «ما» فاعلُ «يَقُولَ» ، و «أَنْ يَقُولَ» : فاعلُ «يُكْثِرُ» ، و «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ» : هو المقولُ؛ أي: رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كائنًا مِنَ النفرِ الذينَ كَثُرَ منهم هذا القولُ، فوضع «ما» موضِعَ «مَنْ» ؛ تفخيمًا وتعظيمًا لجانبِهِ صلَّى اللهُ وسلَّم عليه؛ كقولِهِ تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] ، و «سُبْحَانَ مَا سَخَرَكُنَّ لنا» ، وتحريرُهُ: كانَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُجِيدُ تعبيرَ الرُّؤيا، وكانَ له مشاركٌ في ذلِكَ منهُم؛ لأنَّ الإكثارَ مِنْ هذا القولِ لا يصدُرُ

ص 214

إلَّا مِمَّنْ تدرَّبَ ووَثِقَ بإصابتِهِ؛ كقولِكَ: كانَ زيدٌ مِنَ العلماءِ بالنَّحْوِ، ومنه قولُ صاحِبَيِ السجنِ لِيُوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] ؛ أي: المجيدينَ عبارةَ الرُّؤيا، وعَلِما ذلِكَ ممَّا رأَيَاهُ منه.

هذا مِنْ حيثُ البيانُ، وأمَّا مِنْ حيثُ النَّحْوُ؛ فيَحتملُ أنْ يكونَ قولُه: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا» : مبتدأٌ، والخبرُ مقدَّمٌ عليه على تأويلِ: هذا القولُ ممَّا يُكْثِرُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يقولَهُ) ، ثمَّ أشارَ إلى ترجيحِ الوجهِ السابقِ، والمتبادرُ هو الثاني، وهو الَّذي اتَّفقَ عليه أكثرُ الشارحينَ، انتهى.

قولُه: (شَطْرٌ) : مبتدأٌ، و (كَأَحْسَنِ) : خبرُه، والكافُ زائدةٌ، والجملةُ صفةُ (رِجَالٌ) ، ويَحتملُ أنْ يكونَ بعضُهم موصوفينَ بأنَّ خِلْقَتَهم حسنةٌ، وبعضُهم قبيحةٌ، وأنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهم بعضُه حسنٌ، وبعضُه قبيحٌ، والثاني هو المرادُ هنا بدليلِ قولِهِ في التفصيل: (فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) .

إشارةٌ: وردَ في روايةٍ في (كتابِ الجنائز) [خ¦1386] : «أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ؛ فَكَذَّابٌ» ، وفيه شاهدٌ على أنَّ الحكمَ قد يُستَحقُّ بجُزْءِ العِلَّةِ، وذلك أنَّ المبتدأَ لا يجوزُ دخولُ الفاءِ على خبرِهِ إلَّا إذا كانَ شبيهًا بـ (مَنْ) الشرطيَّةِ، أو (ما) أُختِها، في العمومِ، واستقبالِ ما يَتِمُّ به المعنى؛ نحو: الَّذِي يأتيني فمُكرَمٌ؛ إذا لم تَقصِد آتيًا مُعَيَّنًا، فـ (الَّذِي) على هذا التقديرِ بمنزلةِ (مَنْ) في العمومِ، واستقبالِ ما بعدَها، فجازَ أنْ تدخُلَ الفاءُ على خبرِها؛ لشبهِهِ بجوابِ الشرطِ.

وفي هذا الحديث: (قَطُّ) : وقد تقدَّمَ الكلامُ عليها [خ¦7] .

وقال الكرمانيُّ هنا:(إنْ قلتَ: شرطُهُ ألَّا يُستعمَلَ إلَّا في الماضي [المنفي] ، فما وجهُهُ ههنا؟

قلتُ: قال ابنُ مالكٍ: جازَ استعمالُه في المثبَتِ، والنُّحاةُ غفلوا عن ذلِكَ، أقولُ: يَحتملُ أنَّه اكتفي بالنفيِ الَّذي يلزمُ مِنَ التركيبِ؛ إذْ معناهُ: ما رأيتُهُم أكثرَ مِنْ ذلك، أو يُقالُ: إنَّ المنفيَّ مقدَّرٌ) ، وتقدَّمَ [خ¦7، 1656] .

(كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ) : قال الكرمانيُّ: ( «كَانَ» : تامَّةٌ) .

وقال شيخُنا في «الفتحِ» : ( «شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرًا مِنْهُمْ قَبِيحٌ» : كذا في الموضعينِ بنصبِ «شطر» ، ولغيرِ أبي ذرٍّ: «شَطْرٌ» في الموضعينِ؛ بالرفعِ، و «حسنًا» و «قبيحًا» ؛ بالنصبِ، ولكلٍ وجهٌ، وللنسفيِّ والإسماعيليِّ: بالرفعِ في الجميعِ، وعليه اقتصرَ الحُميديُّ في «جمعه» ، و «كَانَ» في هذِهِ الروايةِ تامَّةٌ، والجملةُ حاليَّةٌ) ، وتقدَّمَ في (تفسير سورة براءة) [خ¦4674] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت