6642 - قوله: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قالُوا: بَلَى) : اعلم أنَّ (بلى) تختصُّ بالنفيِ، وتفيدُ إبطالَه سواءٌ أكانَ مجرَّدًا؛ نحو: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى} [التغابن: 7] ، أو مقرونًا بالاستفهامِ حقيقيًا كانَ؛ نحو: أليسَ زيدٌ بقائمٍ؟ [فتقولُ] : بلى، أو توبيخيًا؛ نحو: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى} [الزخرف: 80] ، {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى} [القيامة: 3] ، أو تقريريًا؛ نحو: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى} [الملك: 8] ، {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ، أُجْرِيَ النفيُ معَ التقريرِ مُجرَى النفيِ المجرَّدِ في ردِّهِ بـ (بَلَى) ، ولذلكَ قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: لو قالُوا: (نعم) ؛ كفرُوا، ووجهُهُ: أنَّ نعم تصديقٌ للمخبِر بنفيٍ أو إيجابٍ، ولذلك قال جماعةٌ مِنَ الفقهاءِ: لو قال: أليسَ لي عليكَ ألفٌ، فقال: (بلى) ؛ لزمتْهُ، ولو قال: (نعم) ؛ لم تلزمْهُ، وقال آخرونَ: تلزمُه فيهما، وجَرَوا في ذلك على مقتضى العُرْفِ لا اللغةِ، ونازَعَ السُهيليُّ وغيرُه في المحكيِّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه في الآيةِ متمسِّكينَ بأنَّ الاستفهامَ التقريريَّ خبرٌ موجَبٌ، ولذلك امتنعَ سيبويه مِنْ جعلِ (أَمْ) متصلةً في قولِه تعالى: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ*أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [الزخرف: 51 - 52] ؛ لأنَّها لا تقعُ بعدَ الإيجابِ، وإذا ثبتَ أنَّه [1] إيجابٌ؛ فـ (نعم) بعدَ الإيجابِ تصديقٌ له، انتهى.
ويُشكِلُ عليهم أنَّ (بَلَى) لا يُجابُ بها الإيجابُ، وذلك متَّفقٌ عليه، ووقعَ في كُتُبِ الحديثِ خلاف ذلكَ، ففي «البخاري» _ ما رأيتَ _ قالوا: (بلى) ، وفي «مسلمٍ» [م: 1623] : «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذَنْ» ، وفيه أيضًا أنَّه قال: «أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ» ، فقال له المجيب: بلى،[وليس لهؤلاءِ أنْ يحتجُّوا بذلِكَ؛ لأنَّه قليلٌ، فلا يتخرَّجُ عليهِ التنزيلُ.
واعلم أنَّ تسميةَ الاستفهامِ في الآيةِ تقريرًا عبارةُ جماعةٍ، ومرادُهُم أنَّه تقريرٌ بما بعدَ النفيِ] [2] .
ص 209
[1] في (أ) : (أنها) .
[2] انظر «مغني اللبيب» (ص 154 - 155) ، وما بين معقوفين مستدرك منه، وكأن بدله في (أ) : (تقرأ الورقة) ؛ فلعل ورقة ملحقة لهذا الموضع كانت فيه، والله أعلم.