2053 - (يا عَبْدُ بْنَ زَمعَةَ) : بسكون الميم، وقال الوَقَّشِيُّ [1] : (الصواب: فتحها) [2] .
وقرأتُ بخطِّ العلَّامةِ عِزِّ الدِّينِ الحاضريِّ رحمه الله تعالى ما لفظُه:(إذا نُعِتَ المنادى المبنيُّ على الضمِّ؛ فلا يخلو أنْ يُنعتَ بمفردٍ أو بمضافٍ، فإنْ نُعِتَ بمفردٍ؛ جازَ في نعتِه الرفعُ والنصبُ؛ تقول: يا زيدُ العاقلُ، والعاقلَ؛ بالرفع، والنصب، فالرفعُ على اللفظِ، والنصبُ على الموضعِ، وإذا نُعت بمضاف؛ فلا يخلو أنْ يكونَ بـ «ابن» أو «ابنة» [3] أو غيرهما.
فإنْ كانَ بـ «ابن» أو «ابنة» ؛ فلا يخلو أنْ يجتمعَ فيه ثلاثةُ شروطٍ:
أحدُها: أنْ يقعَ «ابن» أو «ابنة» بين عَلَمينِ، أو كُنيتين، أو لقبين، أو بين أحدهما مع الآخر؛ نحو: «يا زيد بن عمرٍو» ، أو «يا زيد بن أبي سعيد» ، أو «يا زيد بن بطَّة» ، وكذا لو عكسته.
الثاني: أنْ يكونَ «ابن» نعتًا لا غير.
الثالث: ألَّا يُفصَلَ بينه وبين المنادى؛ ففيه [4] ثلاثةُ أوجهٍ:
الأوَّلُ _ وهو أفصحُها _: أنْ يُتركَ المنادى على ضمِّه، و «ابن» على نصبِه؛ استصحابًا لحكمهما الأصلي، وهذا الوجه اختيار المبرد.
الثاني: أنْ يُفتحَ آخرُ المنادى إتباعًا لحركة «ابن» ، وهو اختيارُ جمهورِ البصريِّين، قال ابن كيسان: «وهذا الوجه أكثر في كلام العرب» .
واختلف النَّحْويُّونَ في توجيه فتحِ آخرِ المنادى، وفتح «ابن» في هذا الوجه؛ فزعم الأكثرون _ وهو الصحيح _ أنَّ فتحةَ المنادى فتحةُ بناءٍ، وفتحةَ «ابن» فتحةُ إعرابٍ، أُتبعتْ فيه حركةُ البناءِ حركةَ الإعرابِ، وقيل: فتحةُ إعرابٍ.
الوجه الثالث: ضمَّةُ نونِ «ابن» إتباعًا لضمَّةِ المنادى؛ حكاها الأخفشُ عن بعضِ العرب؛ تقول: «يا زيدُ بنُ عمرٍو» ؛ بضمِّ النون، وفيه إتباعُ حركةِ الإعرابِ لحركةِ البناءِ، عكسُ الوجه الثاني.
فإنْ لم تجتمعْ فيه الشروطُ الثلاثةُ؛ فلا يكونُ في المنادى إلَّا الضمُّ، ولا في «ابن» إلَّا النصبُ؛ رجوعًا إلى الأصل.
فمثالُ عدمِ الشرطِ الأوَّلِ: «يا رجلُ ابنَ عمرٍو» ، أو «يا زيدُ ابنَ أختنا» ، فلم يقع «ابن» بين
ص 113
عَلَمينِ.
ومثالُ عدمِ الشرطِ الثاني: أنْ تُعرِبَ «ابنًا» بدلًا، أو منادًى ثانيًا، أو مفعولًا لفعلٍ مضمرٍ.
ومثالُ عدمِ الشرطِ الثالثِ: قولُك: «يا زيدُ الفاضلُ ابنَ عمرٍو» ؛ فقد فصلتَ بـ «الفاضل» بين المنادى وبين «ابن» ، فالمنادى في هذا الموضعِ لا يكونُ إلَّا مضمومًا؛ لتخلُّفِ بعضِ الشروطِ.
ومِنَ النَّحْويِّينَ مَنْ أجرى مُجرى العَلَم المنادى الموصوفِ بـ «ابن» ما ليسَ بعَلَمٍ؛ بشرطِ أنْ يُضافَ «ابن» إلى مثل المنادى لفظًا ومعنًى، ويكونَ ممَّا كَثُرَ استعمالُه مدحًا أو ذمًّا، وسواءٌ كان الثاني بالألف واللام أم لا؛ نحو: «يا فلان بنَ فلان» ، و «يا كريم بنَ الكريم» ، و «يا شريف بنَ شريف» في المدح، و «يا ضلّ بنَ ضلٍّ» ، و «يا خبيث بنَ خبيث» في الذمِّ، فيجيزونَ في المنادى في مثل هذا الموضع الضمَّ والفتحَ؛ كما يجوزُ في: «يا زيد بنَ عمرو» ، وإنَّما اشترطوا التساوي بين اللفظين، فأجازوا ذلك في نحو: «يا شريف بنَ شريف» ، ولم يجيزوه في نحو: «يا كريم بن شريف» ؛ لأنَّهم أرادوا أنْ يكونَ الأبُ قد مُدِحَ بما مُدِحَ به الابنُ، ومَدْحُ كلِّ واحدٍ [5] منهما مَدحَ الآخرِ؛ ليتأكَّد المدحُ، فتحصُلَ المبالغةُ، وكذلك في الذمِّ؛ بخلافِ ما إذا اختلفَ اللفظانِ.
وذهبَ البصريُّونَ أنَّه لا يجوزُ فتحُ المنادى إذا نُعِتَ بـ «ابن» إلَّا وهو عَلَمٌ، وأمَّا «يا شريف بن شريف» ، وما أشبَهَهُ؛ فلا يُجيزونَ فيه إلَّا الضمَّ، ولا يجوزُ عندَهم الفتحُ.
قال الشيخُ أبو حيَّان: وما ذهب إليه البصريُّونَ هو القياسُ؛ إذِ الأعلامُ أقبلُ للتغييرِ مِنْ غيرها.
وإنْ نُعِتَ المنادى المضمومُ بمضافٍ غيرِ «ابن» أو «ابنة» [6] ؛ نحو: «يا زيدُ صاحبَ عمرٍو» ؛ فليس فيه إلَّا النصبُ على الصحيح) انتهى.
[1] بياض في (ب) ، والوَقَّشِي: هو الإمام العلَّامة أبو الوليد هشامُ بنُ أحمدَ بنِ خالدِ بنِ سعيدٍ الكِنانيُّ الأندلسيُّ الطُّلَيطُليُّ، ويُعرف بالوَقَّشِي _ بفتح الواو وتشديد القاف وبعدها شين معجمة _ ووَقَّش: قريةٌ على اثني عَشَرَ مِيلًا مِنْ طُلَيطُلةَ، ولد سنة (408 هـ) ، وأخذَ العِلْم عن أبي عمرَ الطَّلَمَنكيِّ وجماعةٍ، وكان عالمًا بالنَّحْو واللغة ومعاني الشعر والعَروض وصناعة البلاغة، وكان شاعرًا بليغًا، حافظًا للسُّنَن وأسماءِ الرجال، بصيرًا بالاعتقادات وأصول الفقه، واقفًا على كثيرٍ مِنْ فتاوِي فقهاء الأمصار، نافذًا في علوم الشروط والفرائض، محقِّقًا في الحساب والهندسة، مُشرِفًا على آراءِ الحكماء، حَسَنَ النَّقدِ للمذهب، وكان الشيخ أبو محمَّدٍ الرُّيُوالي يقولُ فيه:
~ وكان من العلوم بحيث يُقضَى له في كلِّ عِلْمٍ بالجميعِ
توفِّي رحمه الله في جُمادى الآخرة سنةَ تسعٍ وثمانينَ وأربعِ مئة، انظر «معجم الأدباء» (5/ 594) ، «تاريخ الإسلام» (33/ 327) ، «سير أعلام النبلاء» (19/ 134) ، «الوافي بالوفيات» (26/ 62) .
[2] انظر «التنقيح» (2/ 465) ، «مصابيح الجامع» (4/ 457) .
[3] في (ب) : (وابنة) .
[4] يعني: إن اجتمعت الشروط كلها.
[5] (واحد) : ليست في (ب) .
[6] في (ب) : (وابنة) .