555 - (يَتَعَاقَبُونَ) : فيه دليلُ مَن قال: يجوزُ إظهارُ ضميرِ الجمعِ في الفعلِ إذا تقدَّمَ، وهو لغةُ بني الحارثِ؛ نحو: أكلوني البراغيثُ.
وقال أكثرُ النُّحاةِ بضعفِه، وأَوَّلُوا أمثالَه بأنَّه ليسَ فاعلًا؛ بل بَدَلٌ، أو بيانٌ؛ كأنَّه قِيلَ: مَنْ هُم؟ فقيل: ملائكةٌ، والفاعلُ مضمَرٌ، وكُرِّرَ (مَلَائِكَةٌ) ، وجِيءَ بها نكرةً؛ دلالةً على أنَّ الثَّانيةَ غيرُ الأُولى؛ كقولِه تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] ، انتهى كلامُ الكرمانيِّ.
وقال النَّوويُّ: (قيل: إنَّ الضَّميرَ في «يَتَعَاقَبُونَ» ضميرُ الفاعلِ، وهي لغةُ بني الحارثِ، وحكَوا فيه: أكلوني البراغيثُ، وعليه حَمَل الأخفشُ قولَه تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] ، وأكثرُ النَّحْويِّينَ لا يُجوِّزونَ، ويجعلونَ الاسمَ بدلًا مِنَ الضَّميرِ) انتهى.
واعلم أنَّ [1] الاستدلالِ بهذا الحديثِ على هذه اللُّغةِ فيه [2] نظرٌ مِن حيثُ إنَّ «البخاريَّ» روى: (المَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ) [خ¦3223] ، وروى البزَّارُ: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ» ، وإنَّما نَسَبُوا هذِه اللُّغةَ
ص 57
لقولِهم: أكلوني البراغيث، دونَ غيرِه مِنَ المَثَل؛ لأنَّ هذا المثالَ تتحقَّقُ فيه هذِه اللُّغةُ؛ إذْ لا يصحُّ أنْ تكونَ الواوُ [3] فاعلًا، و (الْبَرَاغِيْثُ) بدلًا؛ لأنَّ الواوَ لا تكونُ إلَّا ضميرَ العقلاءِ الذُّكورِ، و (الْبَرَاغِيْثُ) ليستْ كذلكَ؛ فيتعيَّنُ أنْ تكونَ الواوُ علامةَ جمعٍ لا ضميرًا، بخلافِ غيرِها مِنَ المَثَل.
إشارةٌ [4] : الواوُ [5] علامةُ المذكَّرين في لغةِ طيِّئٍ، أو أَزْدِ شنوءَة، أو بَالْحارث، ومنه هذا الحديث، وقولُه: [من المتقارب]
~ يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِيـ ـلِ قَوْمِي وَكُلُّهُمُ أَلْوَمُ وهي عند سيبويه حرفٌ دالٌّ على الجماعةِ؛ كما أنَّ التَّاءَ في (قَامَتْ) حرفٌ دالٌّ على التَّأنيثِ، وقيل: هي اسمٌ مرفوعٌ على الفاعليَّةِ.
ثمَّ قيل: ما بعدَها بدلٌ منها، وقيل: مبتدأٌ والجملةُ خبرٌ مقدَّمٌ، وكذا الخلافُ في نحو: «قاما أخواكَ» ، و «قُمْنَ نِسوتُكَ» .
وقد تُستعملُ لغيرِ العقلاءِ إذا نُزِّلُوا منزلتَهم، قال أبو سعيدٍ: نحو: (أكلوني البراغيثُ) ، إذا وُصِفَتْ بالأكلِ لا بالقَرْصِ.
وهذا سهوٌ منه، فإنَّ الأكلَ من صفاتِ الحيواناتِ [6] عاقلةً وغيرَ عاقلةٍ.
وقال ابنُ الشَّجَريِّ: عندي أنَّ الأكلَ هنا بمعنى: العدوانِ والظُّلمِ؛ كقولِه: [من الوافر]
~ أَكَلْتَ بَنِيكَ أَكْلَ الضَّبِّ حَتَّى وَجَدْتَ مَرَارَةَ الْكَلَأِ الْوَبِيْلِ
أي: ظلمتَهم، وشبَّهَ الأكلَ المعنويَّ بالحقيقيِّ.
وقد حَمَلَ بعضُهم على هذه اللُّغةِ: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: 71] ، {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وحَمْلُهُما على غيرِ هذِه اللُّغةِ أَولى؛ لضعْفِها.
وقد جُوِّزَ في {الَّذِيْنَ ظَلَمُوا} أنْ يكونَ بدلًا مِنَ الواوِ في {أَسَرُّوا} ، أو مبتدأً خبرُه إمَّا {أَسَرُّوا} ، أو قولٌ محذوفٌ عاملٌ في جملةِ الاستفهامِ؛ أي: يقولونَ: هل هذا؟ وأنْ يكونَ خبرًا لمحذوفٍ؛ أي: همُ الذينَ، أو فاعلًا بـ {أَسَرُّوا} والواوُ علامةٌ كما قدَّمْنا، [أو بـ (يقولُ) محذوفًا] ، أو بدلًا مِنْ واو {اسْتَمَعُوهُ} ، وأنْ يكونَ منصوبًا على البدلِ مِنْ مفعولِ {يَأْتِيهِمْ} ، أو على إضمار: (أذمُّ) ، أو (أعني) ، وأنْ يكونَ مجرورًا على البدلِ مِنَ (النَّاسِ) في {اقْتَرَبَ للنَّاسِ حِسَابُهُمْ} ، أو مِنَ الهاءِ في {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} .
[1] زيد في النسختين: (في) ، ولا يستقيم.
[2] (فيه) : ضرب عليها في (ب) .
[3] أي: في (يتعاقبون) .
[4] جاءت في (ب) في غير محلها في شرح الحديث (558) ، وهي مستدركة في هامش (أ) .
[5] في (ب) : (واو) .
[6] في النسختين: (الحيوان) .