فهرس الكتاب
2629 - (مِنْحَةً) [1] : قال ابنُ مالكٍ:(حديثُ: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً!» ، وقولُ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: «نِعْمَ الرجلُ مِنْ رجُلٍ! لم يَطَأْ لنا فِراشًا» ، وقولُ المَلَكِ: «ونِعْمَ المجيءُ جاءَ!» ؛ تضمَّنَ الحديثُ الأوَّلُ والثاني وقوعَ التمييزِ بعدَ فاعلِ «نِعْمَ» ظاهرًا، وهو ممَّا منعه سيبويه [2] ؛ فإنَّه لا يُجيزُ أنْ يقعَ التمييزُ بعدَ فاعلِ «نِعْمَ» و «بِئْسَ» إلَّا إذا أُضمِرَ الفاعلُ؛ كقولِه تعالى: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] .
وأجازَ المُبرِّدُ [3] وقوعَه بعدَ الفاعلِ الظاهرِ، وهو الصحيحُ.
ومَنْ مَنَعَ وقوعَه بعدَ الفاعلِ الظاهرِ يقولُ: إنَّ التمييزَ فائدةُ المجيءِ به رفعُ الإبهامِ، ولا إبهامَ إلَّا بعدَ الإضمارِ، فتعيَّنَ تركُه مع الإظهارِ.
وهذا الكلامُ تلفيقٌ عارٍ عنِ التحقيقِ، فإنَّ التمييزَ بعدَ الفاعلِ [الظاهرِ] وإنْ لم يَرفعْ إبهامًا؛ فإنَّ التوكيدَ به حاصلٌ، فيَسوغُ استعمالُهُ؛ كما ساغَ استعمالُ الحالِ مؤكِّدةً؛ نحو: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10] ، {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] ، مع أنَّ الأصلَ فيها أنْ يُبيَّنَ بها [4] كيفيَّةٌ [5] مجهولةٌ، وكذا التمييزُ أصلُه أنْ يُرفَعَ به إبهامٌ؛ نحو: «له عشرونَ دِرهمًا» ، ثمَّ يُجاءُ به بعدَ ارتفاعِ الإبهامِ قصدًا للتوكيد؛ نحو: «عندَه مِنَ الدراهمِ عِشرونَ دِرهمًا» ، ومنه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36] ، ومنه قولُ أبي طالبٍ: [من الكامل]
~ وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينا
فلو لم يُنقلِ التوكيدُ بالتمييزِ بعدَ إظهارِ فاعلِ «نِعْمَ» و «بِئْسَ» ؛ لَسَاغَ استعمالُه قِياسًا على التوكيدِ به معَ غيرِهِما، فكيفَ وقد صحَّ نقلُه؟!
وفي قولِ المَلَكِ: « [و] نِعْمَ المجيءُ جاءَ!» شاهدٌ على جواز الاستغناءِ بالصِّلةِ عنِ
ص 130
الموصولِ، أو بالصفةِ عنِ الموصوفِ في بابِ «نِعْمَ» ؛ لأنَّها تحتاجُ إلى فاعلٍ هو «المجيءُ» ، وإلى مخصوصٍ بمعناها، وهو مبتدأٌ مُخبَرٌ عنه بـ «نِعْمَ» وفاعلِها، وهو في هذا الكلامِ وشبهِهِ موصولٌ، أو موصوفٌ بـ «جاءَ» ، والتقديرُ: «ونِعْمَ المجيءُ الذي جاءَ» ، أو «نِعْمَ المجيءُ مَجيءٌ جاءَ» ، وكونُه موصولًا أجودُ؛ لأنَّه مُخبَرٌ عنه، وكونُ المخبَرِ عنه معرفةً أَولى) انتهى.
وقال أبو البقاءِ:( «المَنِيحَةُ» فاعلُ «نِعْمَ» ، و «اللِّقْحَةُ» هيَ المخصوصةُ بالمدْحِ، و «مِنْحَةً» [6] منصوبٌ على التمييزِ توكيدًا، ومثلُهُ قولُ الشاعرِ: [من الوافر]
~ ... ... ... ... ... ... . فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا)
[1] في (ب) : (منيحة) .
[2] في هامش (أ) : (حاشية: وكذا السيرافي مطلقًا، وقيل: إن أفاد معنًى زائدًا؛ جاز، وإلَّا؛ فلا؛ كقوله: فنعم المرء من رجل تهامي) ، وزيد قبلها في (ب) : (وجدتها بخط شيخنا المؤلف) .
[3] في هامش (أ) : (حاشية: وكذا ابن السَّرَّاج، والفارسي) ، وزادها في (ب) ضمن النص.
[4] (بها) : ليست في (ب) .
[5] زيد في (أ) و (ب) فوقها: (نسخة: هيئة) .
[6] في النسختين: (والمنحة) .