فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 3792

[حديث: من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا]

35 - (مَنْ يَقُمْ) إلى أنْ قال: (غُفِرَ) : وقع فيه فعلُ الشَّرطِ مضارعًا والجوابُ ماضيًا، والنُّحاةُ يستضعفونَهُ، ومنهم مَنْ مَنَعَه إلَّا في ضرورةِ الشِّعر، وأجازُوا عكسَه؛ كقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيْدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِيْتَنَهَا نُوَفِّ} [هود: 15] ، ومَنْ أجاز الأوَّل احتجَّ بهذا الحديث، ومنهُ قولُ عائشة رضي الله عنها في الصِّدِّيق: (مَتَى يَقمْ مَقَامَكَ؛ رَقَّ) ، وَلَا ضَعْفَ، وكيفَ وهو في كلامِ أفصحِ الخَلْقِ وغيرِه؟

وقال شيخُنا في «الفتح» : (استدلَّ النُّحاة بهذا في استعمال الشَّرطِ مضارعًا والجوابِ [1] ماضيًا، وعندي في الاستدلالِ به نظرٌ؛ لأنِّي أظنُّه مِنْ تصرُّفِ الرُّواة، فقد رواه النَّسائيُّ عن محمَّدِ بن عليِّ بن ميمون، عن أبي اليمانِ شيخِ البخاريِّ، فلم يُغايرْ بين الشَّرطِ والجزاءِ، وكذلك رواه أبو نُعيم في «المستخرج» عن سليمانَ _ وهو الطَّبرانيُّ _ عن أحمدَ بن عبد الوهَّاب، عن أبي اليمان، ولفظُه:(لَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا) ، [وقوله: «فيوافقُها» ] زيادةُ بيانٍ، وإلَّا فالجزاءُ مُرَتَّبٌ على قِيامِ ليلةِ القدرِ، ولا يَصدُقُ قِيامُ ليلةِ القدرِ إلَّا على مَنْ وافقَها).

وقال الزَّركشيُّ: (فيه مجيءُ فعلِ الشَّرطِ مضارعًا والجوابِ ماضيًا، وهو قليلٌ، وقدِ استُنبِطَ أيضًا مِن قولِ اللهِ تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهمْ من السماء آيَةً فَظَلَّتْ} [الشعراء: 4] ؛ لأنَّ تابعَ الجوابِ جوابٌ) .

(إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا) : مفعولٌ له أو تمييزٌ، وقال الزَّركشيُّ: (مصدرٌ في موضعِ الحالِ؛ أي: مؤمنًا محتسبًا، أو مفعولٌ مِن أجلِه، قال أبو البقاءِ: نظيرُه في جوازِ الوجهين قوله تعالى: {اعملوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13] ) انتهى.

وقال الكرمانيُّ:(فإنْ قلتَ: هل يصحُّ أن يكون حالًا؛ بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل؛ أي: مؤمنًا محتسبًا؟ قلتُ: حينئذٍ لا يدلُّ على ترجمة الباب؛ إذِ المفهومُ ليس إلَّا أنَّ القيامَ في حال الإيمان، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يُقالَ: كونُه في حالِ الإيمانِ وفي زمانِه مُشْعِرٌ بأنَّه مِن جملتِه، وكَلَفُ الكُلْفَةِ في توجيهِهِ ظاهرٌ.

فإِنْ قلتَ: فالتَّمييزُ والمفعولُ له لا يَدُلَّانِ أيضًا على أنَّه مِنَ الإيمانِ؛ قلتُ: «مَنْ» للابتداء، فمعناهُ: أنَّ القيامَ منشؤُهُ الإيمانُ، فيكونُ للإيمانِ أو مِن جهةِ الإيمانِ.

فإِنْ قلتَ: شرطُ التَّمَيُّزِ أن يقعَ موقعَ الفاعل؛ نحو: «طابَ زيدٌ نفسًا» ؛ قلتُ: اطِّرادُ هذا الشَّرطِ ممنوعٌ، ولَئِنْ سلَّمنا؛ فهو أعمُّ مِنْ أنْ يكونَ فاعلًا بالفعلِ أو بالقوَّةِ؛ كما يُؤَوَّلُ: «طارَ عمرٌو فَرَحًا» ؛ بأنَّ المرادَ طيرة الفرحِ، فهو في معنى إقامةِ الإيمانِ).

(مِنْ ذَنْبِهِ) : (مِنْ) : إمَّا متعلِّقةٌ بقولِه: (غُفِرَ) أي: غُفِرَ مِنْ ذنبِه ما تقدَّم، فهو منصوبُ المحلِّ، أو هيَ مبيِّنةٌ لـ (مَا تَقَدَّمَ) ، فهي مرفوعُ المحلِّ؛ لأنَّ (مَا تَقَدَّمَ) هو مفعولُ ما لم يسمَّ فاعلُه.

وقال البِرْماويَّ: (قلتُ: الظَّاهرُ تعلُّقُه بـ «تَقَدَّمَ» ، ونائبُ الفاعلِ «مَا» ؛ لأنَّهُ اللَّائِقُ بالمعنى والصِّناعة) .

ص 18

[1] في (ب) : (والجزاء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت