4826 - (وَأَنَا الدَّهْرُ) : بالرفعِ ضبطَهُ المحقِّقونَ؛ أي: أنا الفاعلُ لما يصفونَه للدهرِ، أو الخالقُ، أوِ المقدِّرُ لما ينسبونَه إليه، فإذا سَبَبْتُمُ الذي تعتقدونَ أنَّه فاعلُ ذلك؛ فقد سَبَبْتُمُوهُ.
وحكى الراغبُ: أنَّ (الدهرَ) الثاني غيرُ الأوَّلِ، وإنَّما هو قَصَدَ معنى الفاعلِ؛ أي: إنَّ اللهَ هو الدهرُ؛ أي: المتصرِّفُ المدبِّرُ لما يحدُثُ، قال: والأوَّلُ أظهرُ.
ولا يصحُّ أنْ يُقالَ: هو اسمُ الله، وكانَ أبو بكر بنُ داودَ الظاهريُّ يرويهِ بالفتحِ نصبًا على الظرفِ؛ أي: أنا طولَ الدهرِ بيدي الأمرُ، وكانَ يقولُ: (لو كانَ مضمومَ الرَّاءِ؛ لصارَ اسمًا مِنْ أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ) ، وهذا الذي قاله ليسَ بلازمٍ، لا سيَّما على روايةِ: (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ) [خ¦6182] ، وهو على ما ذكرنا، وقد جوَّزَ النصبَ جماعةٌ؛ منهمُ النَّحَّاسُ، وقال القاضي: نصبَهُ بعضُهُم على الاختصاصِ، والظرفُ أصحُّ، انتهى كلام الزركشي.
وقال ابنُ قُرقُولَ: (رُوِيَ بالنصبِ والرفعِ، وهو أكثرُ، [والنصب] على الظرفِ، وقيل: على الاختصاصِ) .
وقال ابنُ الجوزيِّ:(هو باطلٌ مِنْ وجوهٍ:
أحدُها: أنَّه خلافُ أهلِ النقلِ، فإنَّ المحدِّثينَ المحقِّقينَ لم يضبطوها إلَّا بالضمِّ، ولم يكُنِ ابنُ داودَ مِنَ الحفَّاظِ، ولا مِنْ علماءِ النقلِ.
ثانيها: أنَّه ورد بألفاظٍ صِحاحٍ تُبطِلُ تأويلَهُ.
ثالثُها: تأويلُه يقتضي أنْ تكونَ عِلَّةُ النهيِ لم تُذكَر؛ لأنَّه إذا قال: «لا تَسُبُّوا الدهرَ؛ فأنا الدهرَ أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ» ؛ فكأنَّه قال: لا تَسُبُّوا الدهرَ فأنا أُقَلِّبُه، ومعلومٌ أنَّه يُقَلِّبُ كلَّ شيءٍ مِنْ خيرٍ وشرٍّ، وتقليبُه للأشياءِ لا يمنعُ ذَمَّها، وإنَّما يتوجَّهُ الأذى في قولِه: «يُؤذيني ابنُ آدمَ» على ما أشرنا إليه)، وسيأتي في (كتاب الأدب) إن شاء الله تعالى وقدَّرَه [خ¦6181] .
وقال شيخُنا في «الفتح» : (وهذِه الأخيرةُ _يعني: روايةَ: «فإنَّ اللهَ هوَ الدهرُ» _ لا تُعَيِّنُ الرفعَ؛ لأنَّ للمخالفِ أنْ يقولَ: التقديرُ: فإنَّ اللهَ هوَ الدهرَ يُقَلِّبُ، فيرجعُ للروايةِ الأُخرى، وكذا تركُ ذِكْرِ عِلَّةِ النهيِ لا يُعَيِّنُ الرفعَ؛ لأنَّها تُعرَفُ مِنَ السياقِ؛ أي: لا ذنبَ له، فلا تَسُبُّوهُ) انتهى.
وقال الطِّيبيُّ:(روى السجستانيُّ نصبَ «الدهر» في «أنا الدهرَ» ؛ أي: أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ في الدهرِ، وقيل: الرفعُ أولى، وأقولُ: وهو كذلك؛ لأنَّه لا طائلَ تحتَه على تقديرِ النصبِ، أمَّا معنًى؛ فلأنَّه لا فائدةَ في قوله: «أنا أُقلِّبُ الليلَ والنهارَ في الدهرِ» ؛ لأنَّ الكلامَ مَسُوقٌ للردِّ على السابِّ والإنكارِ عليه، وأمَّا لفظًا؛ فإنَّ تقديمَ الظرفِ إمَّا للاهتمامِ، أوِ الاختصاصِ، ولا يقتضي المقامُ ذلك؛ لأنَّ الكلامَ مفرَّغٌ في شأنِ المتكلِّمِ، لا في الظرفِ؛ ولهذا عرَّفَ الخبرَ باللَّام؛ لإفادةِ الحصرِ، فكأنَّه قيلَ: أنا أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ، لا ما تَنْسبونه إليه.
[و] قيل: «الدهر» الثاني غيرُ الأوَّلِ، وإنَّما هو مصدرٌ بمعنى الفاعلِ؛ ومعناه: أنا الدهرُ المصرِّفُ المدبِّرُ.
وقال الراغب: «والأظهرُ أنَّ معناهُ: أنا فاعلُ ما يُضافُ إلى الدهرِ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ، والمَسَرَّةِ والمَسَاءَةِ، فإذا سببتُمُ الَّذي تعتقدونَ أنَّه فاعلُ ذلك؛ فقد سَبَبْتُمُوني» .
وقال القاضي ناصرُ الدين: «قيل: فيه إضمارُ المضافِ؛ والتقديرُ: أنا مُقَلِّبُ الدهرِ، والمتصرِّفُ فيه؛ والمعنى: أنَّ الزمانَ يُذعِنُ لأمري، لا اختيارَ له، فمَنْ ذمَّهُ على ما يظهَرُ فيه صادرًا منِّي؛ فقد ذمَّنِي، فإنِّي الضارُّ النافعُ» .
ولقائلٍ أنْ يقولَ: قد تقرَّرَ في المعاني أنَّ المعرَّفَ إذا أُعيدَ؛ كانَ الثاني غيرَ الأوَّلِ، وعلى التقاديرِ لا يلزمُ اتِّحادُ المعنى؛ لأنَّ السببَ غيرُ المسبَّب؟
قلتُ: وردَ النهيُ على السابِّ الدهريِّ الذي يسُبُّ الدهرَ لا لِذاتِه، بل لتصرُّفاتِه وحوادِثِه التي على خلافِ مُرادِه، وقولِه: إنَّه هو الفاعلُ الحقيقيُّ، وإنَّه مستقلٌّ بها؛ كقولِهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ، على قصر القلبِ كما مَرَّ، فقيلَ لهم: ما تعتقدونَه مِنَ الفاعلِ الحقيقيِّ هو اللهُ تعالى، ويعضُدُ هذا التقرير قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «بِيَدِي الأمرُ، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ» ، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أوقعَ «بيدي الأمرُ أُقلِّبُ الليلَ والنهارَ» بيانًا وتفسيرًا لقولِه: «الدهر» ، ولا ارتيابَ أنَّ الدهرَ لغةً ليس بذلك) .
ورأيتُ في «الفائق» : ( «لا تسُبُّوا الدهرَ؛ فإنَّ الدهرَ هو اللهُ» ، ورُوِيَ: «فإنَّ اللهَ هو الدهرُ» ، الدهرُ: الزمانُ الطويلُ، وكانوا يعتقدونَ فيه أنَّه الطارقُ بالنوائبِ؛ ولذلك اشتقُّوا مِن اسمه: «دَهَرَ فلانًا خَطْبٌ» ؛ إذا دهاهُ [1] ، وما زالوا يَشْكُونَه ويذمُّونَه) ، ثمَّ ذكرَ أشعارًا، ثمَّ قال:(فنهاهُم عليه السلام عن ذمِّ الدهرِ، وبيَّنَ لهم أنَّ الطوارِقَ التي تنزِلُ بهم مُنزِلُها اللهُ تعالى دونَ غيرِه، وأنَّهُم متى اعتقدوا في الدهرِ أنَّه المُنزِلُ وذمُّوه؛ كانَ مرجعُ الذمِّ إلى العزيز الحكيم _ [تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا] _ والذي يحقِّقُ هذا الموضعَ ويَفصِلُ بين الروايتين: هو أنَّ قولَه: «فإنَّ الدهرَ هو اللهُ» حقيقتُهُ: فإنَّ جالبَ الحوادثِ هو اللهُ لا غيرُه، فوضعَ «الدهر» موضعَ «جالب الحوادث» ؛ كما تقولُ: إنَّ أبا حنيفةَ أبو يوسف؛ تريد: أنَّ النهاية في الفقه أبو يوسف لا غيرُه، فتضعُ أبا حنيفةَ موضعَ ذلك؛ لشهرتِهِ بالتناهي في علمِهِ؛ كما شُهِرَ الدهرُ عندَهم بالحوادثِ، ومعنى الروايةِ الثانيةِ: «فإنَّ اللهَ هوَ الدهرُ» : فإنَّ اللهَ هو الجالِبُ للحوادثِ لا غير الجالب؛ ردًّا لاعتقادِهم أنَّ اللهَ ليس مِن جَلْبِها في شيءٍ، وأنَّ جالبَها الدهرُ؛ كما لو قلتَ: إنَّ أبا يوسف أبو حنيفة؛ كأنَّ المعنى: أنَّه النهايةُ في الفقهِ، لا المتقاصرُ.
«هو» فصلٌ، أو مبتدأٌ خبرُه اسمُ «الله» ، أو «الدهرُ» ، في الروايتين) .
وقال أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ: (يجوزُ النصبُ؛ أي: بأنَّ اللهَ باقٍ مقيمٌ أبدًا لا يزولُ) .
ص 173
[1] في (أ) : (وهاه) ، والمثبت من مصدره.