فهرس الكتاب
36 - (إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) : هو بالرَّفعِ فيهما؛ لأنَّه فاعلُ (يُخْرِجُهُ) ، والاستثناءُ مفرَّغٌ، وفي «مسلمٍ» بالنَّصب [خ¦ 1876] ، ووجهُه: أنَّه مفعولٌ له، التَّقديرُ: لا يُخرِجُه [1] المخرِجُ ويحرِّكُه المحرِّكُ إلَّا للإيمانِ والتَّصديقِ، ومعناه: لا يُخرجُه إلَّا مَحْضُ الإيمانِ والإخلاص لله تعالى.
وقال الكرمانيُّ: (السِّياقُ يقتضِي أَنْ يقالَ: إيمانٌ به، فَعَدَلَ عنِ الغَيبةِ إلى الخطابِ التفاتًا، أو ذكرًا على سبيلِ الحكايةِ مِنْ قولِ الله تعالى) .
وقال ابنُ مالكٍ في «الشواهد» : (تضمَّنَ هذا الحديثُ ضميرَ غَيبةٍ مضافًا إليه «سبيل» ، وضميرَيْ حضورٍ: أحدهما في موضعِ جرٍّ بالباء، والآخر في موضعِ جرٍّ بإضافة «رُسُل» ، وكانَ اللَّائِق في الظَّاهرِ أنْ يكونَ بَدَلَ الياء الهاء، فلا بُدَّ مِنَ التَّأويل، وهو تقديرُ اسمِ فاعلٍ مِنَ القولِ منصوبٍ على الحالِ؛ كأنَّه قالَ: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِهِ قائلًا: لا يُخرجُهُ إلَّا الإيمانُ بي، ويجوزُ أنْ يكونَ الهاءُ في «سبيله» عائدًا إلى «مَنْ» ، ولـ «سَبِيْلِهِ» : نعتٌ محذوفٌ؛ أي: سبيلِه المرضيَّة، ثم أضمر بعد «سبيله» : «قال» ونحوَه، ولا موضعَ له مِنَ الإعرابِ) انتهى.
وقال ابنُ المُرَحِّل: (وقوله: «كان اللَّائق» فيه إساءَةُ أدبٍ، وإنَّما هو مِنْ بابِ الالتفاتِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ حالٍ؛ لأنَّ الحالَ لا يجوزُ حذفُه) .
وقال ابنُ الملقِّنِ: (عُدُولُهُ عنْ ضميرِ الغَيبةِ في قولِه: «إيمانٌ به وتصديقٌ برسوله» إلى الحضورِ يحتاجُ إلى تقديرٍ؛ كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106] ؛ أي: يقال لهم: أكفرتُم، ونظائِرِه) .
إشارةٌ: (قالَ الأشرفُ: «لا يُخرجُه إلَّا إيمانٌ بي» فيه إضمارٌ؛ أي: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِه قائلًا: لا يُخرِجُه إلَّا إيمانٌ بي، أقولُ: هذا أحدُ قولَي ابنِ مالكٍ، والآخرُ: أنَّ الضَّميرَ في «سبيله» راجعٌ إلى «مَنْ» ، ولـ «سِبِيلِهِ» نَعْتٌ محذوفٌ؛ أي: في سبيلِه المرضيَّةِ، والنَّعتُ يُحذَفُ كثيرًا إذا كان مفهومًا؛ نحو قوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] ؛ أي: معادٍ تُحِبُّه، ثمَّ أُضمِرَ بعدَ «سبيلِه» قولٌ حُكِيَ به ما بعدَ ذلك، لا موضِعَ له مِنَ الإعرابِ؛ يعني: أنَّ الجملةَ الثَّانيةَ استئنافيَّةٌ، كأنَّ قائلًا قال: وما ذاك بالانتداب وكيف انتدب؟ أُجيب: «قال: لا يُخرجه» ، لكن على هذا التَّقديرِ لا يِلتَئِمُ قولُه: «أَنْ أَرْجِعَهُ» بـ «انْتَدَبَ» ، والأشبَهُ أنْ يكونَ التفاتًا؛ إذ لو قيل: إلَّا إيمانٌ به؛ لكانَ يَجري على الظَّاهرِ، ولم يَفتقرْ إلى الإضمارِ، فَعَدَلَ تفخيمًا لشأنِ المُخرِجِ، ومزيدًا لاختصاصِه وقربِه، والجارُّ مِن «أَنْ أَرْجِعَهُ» محذوفٌ؛ أي: أجابَ اللهُ دعاءَهُ بأنْ قالَ: إمَّا أَنْ أَرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أو غَنيمَةٍ) قالَه الطِّيبيُّ.
(أَرْجِعَهُ) : ثلاثيٌّ، وهُذيلٌ تقولُ: (أُرْجِعَ) رباعيًّا.
(أَوْ أُدْخِلَهُ) : منصوبٌ؛ لأنَّه عطف على (أَرْجِعَهُ) .
(لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) : (لولا) : هي امتناعيَّة لا اختصاصيَّة؛ أي: امتناعُ القيامِ لوجودِ المشقَّةِ على الأُمَّةِ.
(ولَوَدِدْتُ) : قالَ الكرمانيُّ: (اللَّامُ هي [2] في جوابِ «لولا» ، ويجوزُ حذفُها كما حُذِفتْ [3] مِنْ «مَا قَعَدْتُ» [4] ، أو نقولُ: اللَّامُ فيه جوابٌ لقَسَمٍ محذوفٍ) انتهى، وقد وردَ في (كتابِ الجهاد) في «البخاريِّ» : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوَدِدْتُ ... » [خ¦2797] .
وقالَ ابنُ مالكٍ:( «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ» : فيه شاهدٌ على وقوعِ الفعلِ الماضي جوابَ قَسَمٍ عاريًا مِنْ «قد» و «اللَّام» دون استطالةٍ، وفيه غرابةٌ؛ لأنَّ ذلك لا يكادُ يُوجَدُ إلَّا في ضرورةٍ، أو في كلامٍ مُستطالٍ، فمِنَ الواردِ في ضرورةٍ قولُ الشَّاعرِ: [من البسيط]
~ تَاللهِ هانَ على السَّالِينَ ما دُهِيَتِْهِ نُفوسٌ أَبَتْ إِلَّا الهَوى دِينا [5]
ومِنَ الواردِ في كلامٍ مستطالٍ [قولُه تعالى] : {والسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ*وَالْيَومٌ المَوْعُودُ*وَشَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ*قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: 1 - 4] .
وفي «هَذَا مَقَامُ ... » ، و «أنا كنتُ أظلمَ منه» شاهدانِ على جوازِ تلقِّي القَسَمِ بمبتدأٍ غيرِ مقرونٍ باللَّامِ دونَ استطالةٍ، وهو نادرٌ، فلو وُجِدَتِ استطالةٌ؛ لم يُعَدَّ نادرًا؛ كقولِ الشَّاعرِ: [من الطويل]
~ وَرَبِّ السَّماواتِ العُلَا وَبُرُوجِها َالَارْضِ وَمَا فِيهَا المُقَدَّرُ كَائِن)
ص 18
[1] في النسختين: (يخرج) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[2] في النسختين: (هو) ، والمثبت من مصدره.
[3] في النسختين و «الكرماني» : (حذف) ، ولعلَّ المثبت هو الأولى.
[4] أي: فلم يقل: (لما قعدت) .
[5] لم أقف عليه عند غير ابن مالك، والله أعلم.