2085 - (وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ) : بالواو؛ تقديرُه: وهو على وسَط النَّهَر، بحذفِ المبتدأ، وهو جملة حاليَّةٌ، وإنَّما لم تكن خبرًا مقدَّمًا على المبتدأ الذي بعدَه؛ وهو (رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ) ؛ لأنَّ في بعضِها: (وَرَجُلٌ) ؛ بالواو، ولا يجوزُ دخولُ الواو بين المبتدأِ والخبرِ؛ لأنَّه مخالفٌ لسائرِ الرواياتِ؛ مثل ما تقدَّمَ أنَّ الرجلَ الذي بين يديهِ الحجارةُ هو على شطِّ النَّهَر، لا على وسَطه، وربطُ (رَجُلٌ) بما قبلَه هو مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ نحو: ثَمَّةَ، أو على الشَّطِّ، ونحوه، وهو جملةٌ حاليَّةٌ، سواءٌ كان بالواوِ أو بدونِه.
(فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ؛ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ) : قال الإمام ابنُ مالكٍ رحمه الله تعالى:(ومنها ... _ فذكر هذا المكان _ وقولُ الصاحبِ: «فجعلَ الرجلُ إذا لم يستطِعْ أنْ يخرجَ؛ أرسلَ رسولًا» ، وقولُ أنسٍ: «فما جعلَ يُشيرُ بيدِه إلى ناحيةٍ مِنَ السماءِ إلَّا تَفَرَّجَتْ» [1] ، وفي أخرى: «وكانَ أبو بكرٍ لا يكادُ يلتفتُ في الصَّلاةِ، فالتفتَ؛ فإذا هوَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وراءَه» ، وفي حديثِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ: «فَعَلِقَتِ الأعرابُ يسألونَه حتَّى اضطرُّوهُ إلى [2] سَمُرَةَ» ، ويروى: «فَطَفِقَتْ» .
تضمَّنَ هذا الكلامُ وقوعَ خبرِ «جَعَلَ» الإنشائيَّةِ جملةً فِعليَّةً مُصدَّرةً بـ «كلَّما» ، وحقُّهُ أَنْ يكونَ فِعْلًا مضارعًا كغيرها مِنْ أفعالِ بابِ [3] المقاربةِ، فيقالُ: «جعلتُ أفعلُ كذا» ، ولا يقالُ: «جعلتُ كلَّما شِئتُ فعلتُ» ، ولا نحوُ ذلك، قال الشاعرُ: [من البسيط]
~ وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ تُثْقِلُنِي رِجْلِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ
فما جاءَ هكذا؛ فهوَ موافقٌ للاستعمالِ المطَّردِ، وما جاءَ بخلافِه؛ فهو مُنَبِّهٌ على أصلٍ متروكٍ، وذلك أنَّ أفعالَ الإنشاءِ وسائرَ أفعالِ بابِ المقاربةِ مثلُ «كان» في الدخولِ على مبتدأٍ وخبرٍ؛ فالأصلُ أنْ يكونَ خبرُها مثلَ خبرِ «كان» في وقوعِه مفردًا، وجملةً اسميَّةً، وجملةً فعليَّةً، وظرفًا، فتُرِكَ الأصلُ، والتُزِمَ كونُ الخبرِ فِعلًا مضارعًا، ثمَّ نُبِّهَ شُذوذًا على الأصلِ المتروكِ بوقوعِه مفردًا في: [من الرجز]
~ ... ... ... ... . عَسِيتُ صَائِما
و: [من الطويل]
~ ... ... ... . مَا كِدْتُ آيِبًا .. ... ... ... ... ... ... ... .
وبوقوعِه جملةً اسميَّةً في قولِه: [من الوافر]
~ وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَنِي سُهَيْلٍ مِنَ الْأَكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَرِيبُ
ص 115
وبوقوعِه [4] جملةً مِنْ فعلٍ ماضٍ مقدَّمٍ [عليه] «كلَّما» في: «فجعلَ [5] كلَّما جاءَ ليخرُجَ» ، و [بوقوعِه جملةً فعليَّةً مصدَّرةً بـ «إذا» ] في: «فجعلَ الرجلُ إذا لم يستطعْ أنْ يخرُجَ؛ أرسلَ رسولًا» ، وفي: «فما جعلَ يشير» غرابةٌ؛ لأنَّ أفعالَ الشروعِ إنْ صحبَها نفيٌ كانَ معَ خبرِها؛ نحو: «جعلتُ لا أَلْهُو» ، وقد نَدَرَ في هذا الحديثِ دخولُ «ما» على «جَعَلَ» ، وسهَّلَ ذلكَ أنَّ معنى «ما جعلَ يفعلُ» ، و «جعلَ لا يفعلُ» واحدٌ، ويدخلُ نافٍ [6] على «كاد» لنفيِ خبرِها، ونفيِ مقاربَتِه؛ نحو: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] ، ومنه قول ذي الرُّمَّة: [من الطويل]
~ إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
ويدخلُ لنفيِ سهولةِ إيقاعِ الفعلِ؛ نحو: {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93] ، ومنه: «وكانَ أبو بكرٍ لا يكادُ يلتفتُ في الصَّلاةِ، فالتفتَ» .
وفي: «فَعَلِقَتِ الأعرابُ يسألونَه» شاهدٌ على موافقةِ «عَلِقَ» لـ «طَفِقَ» معنًى وحكمًا) انتهى.
[1] في (ب) : (انفرجت) ، والحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» (1033) .
[2] زيد في (ب) : (شجرة) .
[3] في النسختين: (باب أفعال) .
[4] في النسختين: (وبوقوع) .
[5] في (ب) : (تجعل) .
[6] في النسختين: (وتدخل «ما» ) ، وهو موافق لبعض نسخ «شواهد التوضيح» ، والتعميم أولى؛ للمثال المذكور بعده.