3950 - (مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ) : كذا للكُشْمِيهَنيِّ وحدَهُ بزيادةِ (ما) ، وهي الزائدةُ الكافَّةُ عنِ العملِ، وبحذفِها كان حقَّ الألفِ مِنْ (يراك) أنْ تُحذَفَ؛ لأنَّ (متى) الشرطيَّةُ، وهي تجزمُ الفعلَ المضارعَ.
وقال ابنُ مالكٍ رحمه الله تعالى: ( «إنَّه متى يراكَ الناسُ» ، تضمَّنَ هذا الكلامُ ثبوتَ ألفِ «يراكَ» بعدَ «متى» الشرطيَّةِ، وكانَ حقَّها أن تُحذفَ؛ كما في قولِه تعالى: {إِنْ تَرَنِ} [الكهف: 39] ، وفي ثبوتِها أربعةُ أوجهٍ:
أحدُها: أن يكونَ مضارعَ «راءَ» ؛ بمعنى: «رأى» ، ومضارِعُه «يَراءُ» ، فجُزِمَ فصارَ: «يَرَأُ» ، ثمَّ أُبدِلتْ همزتُه ألفًا، فثبتتْ في موضعِ الجزْمِ، كما تثبتُ الهمزةُ التي هي بدلٌ منها.
الثاني: أن تكونَ «متى» شُبِّهتْ بـ «إذا» فأُهمِلتْ؛ كما شُبِّهَتْ «إذا» بـ «متى» فأُعمِلتْ؛ كقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا أخذتُما مضاجِعَكُما؛ [تُكَبِّرا] . . .» ، وهو في النثر نادرٌ، وفي الشِّعر كثيرٌ.
ومِن تشبيه «متى» بـ «إذا» وإهمالِها قولُ عائشةَ رضي الله عنها: «وإنَّه متى يقومُ مقامَك ... » .
الثالث: أنْ يكونَ أجرى المعتلَّ مُجرى الصحيحِ، فأثبتَ الألفَ، واكتفى بتقديرِ حذفِ الضمَّةِ التي كان ثُبوتُها منويًّا في الرفعِ؛ ومثلُه: [من الرجز]
~ إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
ومِن هذا على الأظهرِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فلا يَغشانا» ، وجَعْلُ الكلامِ خبرًا بمعنى النهيِ جائزٌ.
وأكثرُ ما يَجري المعتلُّ مَجرى الصحيح فيما آخِرُه ياءٌ أو واوٌ؛ فمِنْ ذلك قراءةُ قُنْبُلٍ: {مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ} ، وقولُ الشاعرِ: [من الوافر]
~ أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... ... ... ... ... ... .
البيتَ، ومنه قولُ عائشةَ: «إنْ يَقُمْ مَقامَكَ؛ يبكي» ، وقولُه: «مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّي» ، في إحدى الروايتينِ.
ومِن مجيئِهِ فيما آخرُه واوٌ قولُ الشاعرِ: [من البسيط]
~ هَجَوتُ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
الرابع: أن يكونَ مِن بابِ الإشباعِ، فتكون الهمزةُ متولِّدةً عن إشباعِ فتحةِ الرَّاءِ بعدَ سقوطِ الألفِ الأصليَّةِ جَزْمًا، وهي لغةٌ معروفةٌ؛ أعني: إشباعَ الحركاتِ الثلاثِ، وتوليدَ الأحرفِ الثلاثةِ بعدَها، فمِنْ ذلكَ قراءةُ أبي جعفرٍ: {آسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} [المنافقون: 6] ؛ بمدِّ الهمزةِ، والأصلُ: (استغفرتَ) ؛ بهمزةِ وصلٍ، ثمَّ دخلتْ
ص 155
همزةُ الاستفهامِ، فصارَ: «أَستغفرتَ» ؛ بالقطعِ، والفتحِ، والقصرِ؛ مثلُ: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} [الصافات: 153] ، وسقطتْ همزةُ الوصلِ سقوطًا لا تقديرَ معه؛ كما يُفعَلُ بها بعدَ واوِ العطفِ وفائِهِ، وأُشبِعتْ فتحةُ همزةِ الاستفهامِ، فتولَّدتْ بعدَها ألفٌ؛ كما قالوا: «بينا زيدٌ قائمٌ جاءَ عمرٌو» ؛ يريدونَ: بينَ أوقاتِ قيامِ زيدٍ جاءَ عمرٌو، فأُشبِعتْ فتحةُ النونِ، وتولَّدتِ الألفُ.
وحكى الفرَّاءُ عن بعضِ العربِ: «أكلتُ لحما شاةٍ» ؛ يريدونَ: لحمَ شاةٍ، فأشبعَ فتحةَ الميمِ، وتولَّدتِ الألفُ.
ومِن إشباعِ الفتحةِ قولُ الفرزدقِ: [من الطويل]
~ فَظَلَّا يَخِيطَانِ الْوَرَاقَ عَلَيهِمَا .. ... ... ... ... ... ... ... .
ومثلُ ذلك في الياءِ روايةُ أحمدَ بنِ صالحٍ عن ورشٍ: {مَلِكِيْ [1] يومِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ، ومثلُ ذلك في الواوِ قراءةُ الحسنِ: {سَأُورِيكُمْ دارَ الفاسقينَ} [الأعراف: 145] ؛ بإشباعِ ضمَّةِ الهمزةِ، ومثلُه روايةُ أحمدَ بنِ صالحٍ عن ورشٍ: {نَعْبُدُو} [الفاتحة: 5] ؛ بإشباعِ ضمَّةِ الدالِ) انتهى [2] .
إشارةٌ: وقعَ في روايةِ الأصيليِّ: (مَتَى يَرَكَ النَّاسُ) ؛ بحذفِ الألفِ، وهوَ الوجهُ.
[1] في النسختين: (مالكي) .
[2] (انتهى) : ليست في (ب) .