فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 3792

[حديث: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار .. ]

466 - (إِنْ يَكُن) : شرطٌ جزاؤُهُ محذوفٌ يدُلُّ عليه السِّياقُ، أو (إِنْ) هو بمعنى: إِذْ، وفي بعضِها: (أَنْ) ؛ بفتحِ الهمزةِ.

إنْ قلتَ: لِمَ جُزِمَ؟

قلتُ: قال المالكيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَنْ تُرَعْ، لَنْ تُرَعْ» : (فيه إشكالٌ ظاهرٌ؛ لأنَّ «لَنْ» يجبُ انتصابُ الفعلِ بعدَها، وقد وليَها في هذا الكلامِ بصورةِ الجَزْمِ، والوجهُ فيه أنْ يُقالَ: سَكَّنَ عينَ «تُرَاعْ» للوقفِ، ثمَّ شَبَّهَهُ [1] بسكونِ الجَزْمِ؛ فحَذَفَ الألفَ قبلَه كما تُحذَفُ قبلَ سكونِ المجزومِ، ثمَّ أَجرى الوصلَ مُجرى الوقفِ) ، فيوجَّه فيما نحنُ فيه مثلَه، انتهى.

وقال ابنُ التِّينِ: (رويناه بكسرِ همزةِ «إِنْ» على أنَّه شرطٌ، ويصحُّ فتحُها، ويكونُ [ «يكن» ] منصوبًا بـ «أنْ» ؛ فيكونُ المعنى: ما يُبكيه؛ لأجلِ أن يكونَ اللهُ تعالى خيَّر عبدًا؟) .

(هُوَ الْعَبْدَ) : بالنَّصبِ خبر (كَانَ) ، ويجوزُ الرَّفعُ، وسيأتي توجيهُه.

وقد قرأَ العامَّةُ قولَه تعالى: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ} [الأنفال: 33] ؛ بنصبِ {الحقَّ} ، وهو خبرُ الكونِ، و {هُوَ} فصلٌ.

وقال الأخفشُ: {هُوَ} زائدةٌ، ومرادُه ما تقدَّم مِن كونِها فَصْلًا.

وقرأَ الأعمشُ وزيدُ بنُ عليٍّ برفعِ {الحقُّ} ، ووجْهُه ظاهرٌ؛ برفعِ {هُوَ} بالابتداءِ، و {الحَقُّ} : خبرُه، والجملةُ خبرُ الكونِ؛ كقولِ الشاعرِ: [من الطويل]

~ تَحِنُّ إِلَى لَيْلَى وَأَنْتَ تَرَكْتَهَا وَكُنْتَ عَلَيْهَا بِالمَلَا أَنْتَ قَادِرُ وهي لغةُ تميمٍ.

وقالَ ابنُ عطيَّة: (ويجوزُ في العربيَّةِ رفعُ {الحَقُّ} على خبرِ {هُوَ} ، والجملةُ خبرٌ لـ {كَانَ} ) .

وقال الزَّجَّاجُ: (ولا أعلمُ أحدًا قَرَأَ بهذا الجائزِ) .

قال السَّمينُ: (قلتُ: قد ظهرَ مَنْ قَرَأَ به [2] ، وهما رجلانِ جليلانِ) .

(أَعْلَمَنَا) : خبرُ (كَانَ) .

(لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا) : (اتَّخَذَ) : يتعدَّى إلى مفعولينِ؛ أحدُهما بحرفِ الجرِّ، فيكونُ بمعنى: اختارَ واصطفى، وهنا سكتَ عن أحدِ مفعوليها، وهو الَّذي دخلَ عليه حرفُ الجرِّ؛ فكأنَّه قال: لو كنتُ متَّخذًا مِنَ النَّاسِ خليلًا؛ لاتَّخذْتُ منهم أبا بكرٍ، وقد يتعدَّى (اتَّخَذَ) لأحدِ المفعولينِ بحرفِ الجرِّ، وقد يتعدَّى

ص 51

لمفعولٍ واحدٍ، وكلُّ ذلك في القرآنِ.

(وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ) : وللأصيليِّ: (خُوَّةُ) ؛ بحذفِ الهمزةِ، توجيهُهُ أنْ يُقال: نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى النُّونِ، وحُذِفتِ الهمزةُ؛ فصار: ( [وَلَكِنُ] خُوَّةُ) ، فعَرَضَ بعدَ ذلكَ استثقالُ ضمَّةٍ بينَ كسرةٍ وضمَّةٍ، فسُكِّنَتِ النُّونُ تخفيفًا؛ فصارَ: (وَلَكِنْ خُوَّةُ) ، وسكونُ النُّونِ بعدَ هذا العملِ غيرُ سكونِه الأصليِّ.

قال المالكيُّ: (الحاصلُ فيه ثلاثة: سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضمُّ النُّون وحذفُ الهمزة، وسكون النُّون وحذف الهمزة؛ فالأوَّل: أصل، والثَّاني: فرع، والثَّالث: فرع فرع) ، و (أُخُوَّةُ) : مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو (أفضلُ) ، انتهى.

وقال ابنُ التِّين: (رويناهُ بغيرِ همزةٍ، ولا أصلَ لهذا) .

وقال ابنُ بطَّالٍ: (ولا أعرفُ معناهُ) .

(يَبْقَيَنَّ) : بالنُّونِ المشدَّدةِ.

(إِلَّا سُدَّ) : إنْ قلتَ: الفعلُ ههنا وَقَعَ مستثنًى ومستثنًى منه، فكيف ذلك؟

قلتُ: التَّقديرُ: إِلَّا بابًا سُدَّ، و (البابُ) الموصوفُ المحذوفُ هو المستثنى أوَّلًا، والمستثنى منه ثانيًا، أو هو مستثنًى مفرَّغٌ؛ تقديرُه: لا يَبْقَينَّ بابٌ بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ إِلَّا بوجهِ السَّدِّ إِلَّا بابه، وحاصلُه: لا يَبقينَّ بابٌ غيرُ مسدودٍ إلَّا بابه، والله أعلم.

(إِلَّا بَاب) : قال والدي رحمه الله: (منصوبٌ على الاستثناءِ) انتهى كلامُه هنا.

وقال في (مناقبِ أبي بكرٍ) : (يجوزُ فيه النَّصبُ والرَّفعُ، وهما ظاهرانِ) انتهى.

وقال الزَّركشيُّ: (بالنَّصب والرَّفع) .

واعلم أنَّه إنْ كانَ الكلامُ غيرَ موجَبٍ؛ فإنْ كانَ الاستثناءُ متَّصلًا؛ فالأرجحُ إتْبَاعُ المستثنى للمستثنى منه بدلَ بعضٍ عندَ البصريِّينَ، وعطفَ نَسَقٍ عندَ الكوفيِّينَ؛ نحو: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم} [النساء: 66] ، {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ} [هود: 81] ، {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّه إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] ، والنَّصبُ عربيٌّ جيِّدٌ، وقد قُرِئَ به في السَّبعِ في: {قَلِيلٌ} ، و {امْرَأَتُكَ} ، والله أعلم.

[1] في النسختين: (شبه) .

[2] في (ب) : (بهما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت