19 - (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ) : قال المالكيُّ:( «يُوشِكُ» أحدُ أفعال المقاربةِ، يقتضي اسمًا مرفوعًا، وخبرًا منصوبًا بالمحل لا يكونُ إلَّا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ «أَنْ» ، ولا أعلم تجرُّدَه مِنْ «أَنْ» إلَّا في قول الشَّاعر: [من المنسرح]
~ يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ في بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
وقد يُسنَد إلى «أَنْ» والفعلِ المضارع، فيَسُدُّ ذلك مسدَّ اسمِها وخبرِها، وفي هذا الحديث شاهدٌ على ذلك) .
(خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) : يجوزُ فيه وجهان: نصبُ (خَيْر) ورفعُه [1] ، ونصبُه هو الأشهرُ في الرِّواية، وهو خبرُ (يَكُونَ) مقدَّمًا، ولا يضرُّ كونُ الاسم _ وهو (غَنَمٌ) _ نكرةً؛ لأنَّها موصوفةٌ بقوله: (يَتْبَعُ بِهَا) .
ص 14
وأمَّا الرَّفعُ؛ فبأَنْ تقدِّرَ في (يَكُونَ) ضميرَ الشَّأن، ويكون (خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ [غَنَمٌ] ) مبتدأً وخبرًا، وقد رُوِيَ (غَنمًا) بالنَّصب [2] ، قاله الكرمانيُّ.
وقال ابنُ مالك: (يجوزُ في «خَيْر» و «غَنَم» رفعُ أحدِهما على أنَّه اسمُ «يَكُونَ» ، ونصبُ الآخرِ على أنَّه خبرُها، ويجوزُ رفعُهما على أنَّهما مبتدأٌ وخبرٌ في موضعِ نصبٍ خبرًا لـ «يَكُونَ» ، واسمُه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه كلامٌ تضمَّنَ تحذيرًا وتعظيمًا لما يُتوقَّع، وتقديمُ ضميرِ الشَّأنِ عليه مؤكِّدٌ معناه) .
وقال الطِّيبيُّ: ( «غَنَمٌ» نكرةٌ موصوفةٌ هو اسمُ «يَكُونَ» ، والخبرُ قولُه: «خَيْرَ مَالِ» ، وهو معرفةٌ، فلا يجوزُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرادَ بـ «المُسْلِمِ» الجنسُ، فلا تعيينَ فيه حينئذٍ، وفائدةُ التَّقديمِ: أنَّ المطلوبَ حينئذٍ الاعتزالُ، وتحرِّي الخيرَ بأيِّ وجهٍ كان، وليسَ الكلامُ في الغنم؛ ولذلك أخَّرَها) .
(يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) : إمَّا جملةٌ حاليَّةٌ وذو الحال هو الضَّمير المستتر في (يَتْبَعُ) ، ويَحتمل أن يكون هو (المُسْلِم) ، ويجوزُ الحالُ مِنَ المضاف إليه؛ نحو: {فاتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95] .
فإنْ قلتَ: إنَّما يُجعل حالًا من المضاف إليه إذا كان المضافُ جزءًا من المضاف إليه، أو في حُكمه؛ كما في: «رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً» ، لا في نحو: «رأيتُ غلامَ هندٍ قائمةً» ، والمالُ ليس كذلك؛ قلتُ: المالُ لشدَّةِ مُلابستِهِ بذي المالِ كأنَّه جزء منه [3] .
[1] الرفعُ روايةُ الأصيليِّ، والنصبُ روايةُ غيرِه.
[2] وهي رواية الأصيلي، برفع (خير) ونصب (غنمًا) على الخبر، وكذا أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 970) ، وأحمد في «مسنده» (3/ 30) ، وأبو داود في «سننه» (4267) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (19/ 221 - 222) .
[3] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 110) .