فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 3792

[حديث: رأيت أبا بكر وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي]

3750 - (لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ) : قال ابنُ مالكٍ في «شرح التسهيل» :(كذا ثبتَ في «البخاريِّ» برفعِ «شبيهٌ» بناءً على أنَّ

ص 150

«ليسَ» حرفُ عطفٍ كما يقولُ الكوفيُّونَ؛ كما يُقالُ [1] : «بأبي شبيهٌ بالنبيّ، لا شبيهٌ بعَلِيّ» ، ويجوزُ أنْ يكونَ «شبيهٌ» اسمَ «ليس» ، وخبرُها ضميرٌ متَّصِلٌ حُذِفَ استغناءً بنيَّتِهِ عن لفظِهِ)انتهى كلامُ الزركشيِّ.

وقال غيرُه:(وأمَّا الرفعُ؛ فعلى أنَّها حرفُ عطفٍ، كما حكاهُ النَّحَّاسُ وابنُ بابَشاذَ عنهم، وحكاهُ ابنُ عُصفورٍ عنِ البغداديِّينَ، واستدلُّوا بأشياءَ؛ منها: قولُ الشاعرِ: [من الرجز]

~ أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الْغَالِبُ؟ َالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

فـ «ليسَ» في البيتِ عندَهم حرفُ عطفٍ بمعنى: لا، قال ابنُ مالكٍ: «ومِنْ أجودِ ما يُحتجُّ لهم قولُ أبي بكرٍ رضي الله عنه: ليسَ شبيهٌ بعليٍّ» ، وقد تُعُقِّبَ ابنُ مالكٍ في ذلك) انتهى [2] .

وقال شيخُنا في «الفتح» _بعد نقل ما تقدَّم عنِ ابنِ مالكٍ أنَّ (ليس) حرفُ عطفٍ، قال_:(ويجوزُ أنْ يكونَ «شبيهٌ» اسمَ «ليس» ، ويكونَ خبرُها ضميرًا متَّصلًا حُذِفَ استغناءً عن لفظه بنيَّتِه؛ ونحوُهُ قولُه [صلَّى الله عليه وسلَّم] في خطبةِ يومِ النَّحْرِ: «أليسَ ذو الحجَّةِ؟» [خ¦1741] .

قال الطِّيبيُّ في قوله: «بأبي شبيهٌ بالنبي» : «يَحتملُ أنْ يكونَ التقديرُ: هو مفدًّى بأبي شبيهٌ، فيكونُ خبرًا بعدَ خبرٍ، أو أفديه بأبي، و «شبيهٌ» : خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وفيه إشعارٌ بعِلِّيَّةِ [3] الشَّبَهِ للتفديةِ [4] ».

وفي قوله: «شبيهٌ بالنبي» : ما قد يُعارِضُ قولَ عليٍّ في صفةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لم أَرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه» ، أخرجه الترمذيُّ في «الشمائلِ» [تم: 5] ، والجوابُ: أنْ يُحمَلَ المنفيُّ [5] على عمومِ الشَّبَه، والمُثْبَتُ على مُعْظَمِه، والله أعلم) .

وقال في «المغني» :(الرابعُ [6] : أنْ تكونَ حرفًا عاطفًا، أَثبتَ ذلك الكوفيُّونَ أوِ البغداديُّونَ على خلافٍ بين النَّقَلَةِ، واستدلُّوا بنحوِ قولِه: [من الرجز]

~ أَيْنَ الْمَفَرُّ .. ... ... ... ... ... . البيتَ، وخُرِّجَ على أنَّ «الغالبُ» اسمُها، والخبرُ محذوفٌ، قال ابنُ مالكٍ: وهو في الأصلِ ضميرٌ متَّصلٌ عائدٌ على «الأشرم» ؛ أي: ليسَهُ الغالبُ؛ كما تقول: الصديقُ كأنَّه زيدٌ، ثمَّ حُذِفَ لاتِّصالِهِ، ومقتضى كلامِه: أنَّه لولا تقديرُه متَّصلًا؛ لم يَجُزْ حذْفُه، وفيه نظرٌ) انتهى.

إشارةٌ: رأيتُ بخطِّ العلَّامةِ عِزِّ الدين الحاضريِّ رحمه الله تعالى ما لفظُهُ:

(حكى النَّحَّاسُ [7] وابنُ بابَشاذَ عنِ الكوفيِّينَ: أنَّ «ليس» تكونُ حرفَ عطفٍ، وحكاهُ ابنُ عُصفُورٍ عنِ البغداديِّينَ، واستدلُّوا بأشياءَ؛ منها: قولُ الشاعرِ: [من الرجز]

~ أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الْغَالِبُ؟ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

فـ «ليسَ» في البيت عندَهم حرفُ عطفٍ؛ بمعنى: «لا» ، ولا حُجَّةَ فيه، أو يُمكنُ أنْ يكونَ «الغالبُ» اسمَ «ليسَ» ، والخبرُ ضميرٌ محذوفٌ يعودُ على «الأشرم» ؛ أي: ليسَ الغالبُ إيَّاهُ.

قالَ ابنُ مالكٍ: «ومِن أجودِ ما يُحتَجُّ لهم قولُ أبي بكرٍ رضي الله عنه: «ليسَ شبيهٌ بعَلِيّ» ؛ أي: لا شبيهٌ بعَلِيّ»، ولا حُجَّةَ فيه؛ لِمَا قدَّمنا مِنَ احتمالِ أنْ يكونَ «شبيهٌ» الاسمَ، والخبرُ ضميرًا محذوفًا؛ أي: ليسَ شبيهٌ إيَّاه.

وجوابٌ ثانٍ قاله ابنُ مالكٍ في «ليسَ» خاصَّةً: «ليسَ» يكثُرُ مجيءُ اسمِها نكرةً؛ لأنَّ النفيَ مِنَ المسوِّغاتِ للابتداءِ بالنكرةِ، واستشهدَ بقولِ الشاعرِ: [من الكامل]

~ كَمْ قَدْ رَأَيْتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ بَاقِيَا مِنْ زَائِرٍ طَيْفَ الْكَرَى وَمَزُورِ

فهذا جوابٌ خاصٌّ بـ «ليسَ» ، والذي في هذه [8] الصفحةِ عامٌّ في «كان» وأخواتِها.

فإنْ قلتَ: إذا جعلتَ «ليسَ» على بابِها؛ أي: جعلتَها مِنْ أخواتِ «كان» ؛ فينبغي أنْ يكونَ اسمُها معرفةً، وخبرُها نكرةً، وأنتَ جعلتَ الأمرَ بالعكسِ؟

قلتُ: ما قلتَه صحيحٌ على رأيِ الجمهورِ؛ فإنَّهم لم يُجوِّزوا ذلك إلَّا في الشِّعرِ، وأمَّا ابنُ مالكٍ؛ فجوَّزَه في الكلامِ اختيارًا، فقال: يجوزُ أنْ يكونَ الاسمُ نكرةً، والخبرُ معرفةً؛ قياسًا على الفاعلِ والمفعولِ، واستدلَّ بأبياتٍ؛ منها بيتُ حسَّان: [من الوافر]

~ كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ

على روايةِ نصبِ «المزاج» ،

ص 151

ورفع «عسل» ، فقال: لو شاءَ؛ جعلَ اسمَ «يكونُ» ضميرًا يعودُ إلى «سبيئةً» ، ورفع «مزاجها» على الابتداءِ، و «عسل» : خبرُها، والجملةُ خبرُ «كان» بلا ضرورةٍ تدعو إلى نصبِ «المزاج» .

قلت: ويؤيِّدُه ما قاله الأستاذُ أبو [عثمان] بكر ابن حبيب [9] : أنَّ البيتَ رُوِيَ برفعِ «مِزاجها» و «عسل» على أنَّهما مبتدأٌ وخبرٌ، انتهى كلامه.

ورُوِيَ برفعِ «مزاجها» ، ونصبِ «عسل» على الخبر، و «ماء» فاعلٌ بإضمارِ فعلٍ، وعندي فيه نظرٌ؛ إذ لو كانَ كذلكَ؛ لكانَ «يكونُ» بالتاءِ حتمًا، وقال في قولِ القُطاميِّ: [من الوافر]

~ قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعَا وَلَا يَكُ [10] مَوْقِفٌ مِنْكِ الْوَدَاعَا

لو شاءَ لقالَ: موقفي، فيُعرِّفُ الاسمَ بالإضافةِ، فلا ضرورةَ في تنكيرِ «موقفٌ» ، واستدلَّ أيضًا بقراءَةِ سليمانَ بنِ مِهرانَ: {وَمَا كَانَ صَلَاتَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءٌ} [الأنفال: 35] ؛ بنصبِ «الصلاة» على الخبرِ، ورفعِ {مُكَاءٌ} على أنَّه اسمُها.

وأمَّا قراءةُ ابنِ عامرٍ: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ} [الشعراء: 197] ؛ فظاهرٌ أنَّ {آيَةٌ} : اسمُها، و {أَنْ يَعْلَمَهُ} : الخبرُ، وخرَّجَهُ الجمهورُ على أنَّ {يَكُنْ} : تامَّةٌ، و {آيَةٌ} : فاعلٌ، و {لَهُمْ} : متعلِّقٌ بـ {يَكُنْ} ، و {أَنْ يَعْلَمَهُ} بدلٌ مِنْ {آيَةٌ} ، أو تقول: {يَكُنْ} : ناقصةٌ، واسمُها ضميرُ الشأنِ والقِصَّةِ، و {لَهُمْ آيَةٌ} : مبتدأٌ وخبرٌ في موضعِ خبرِ {يَكُنْ} ، أو على أنَّ {آيَةٌ} اسمُها، و {لَهُمْ} الخبرُ، و {أَنْ يَعْلَمَهُ} : بدلٌ مِنْ {آيَةٌ} على كلِّ تقديرٍ، انتهى.

وبنو [11] تميمٍ أجمعوا على جوازِ كونِ اسمِ «كأنَّ» نكرةً [12] ، والخبرِ معرفةً، واستدلُّوا بقولِ الشاعرِ: [من الوافر]

~ كَأَنَّ دَرِيئَةً لَمَّا الْتَقَيْنَا بِنَصْلِ السَّيْفِ مُجْتَمَعُ الصُّداعِ

فـ «دريئةً» : نكرةٌ، وهو اسمُها، و «مجتمعُ الصُّداعِ» : هو الخبرُ، وهو معرفةٌ، ويجوزُ أنْ يكونا نكرتينِ، حكى سيبويه: «إنَّ ألفًا في دراهِمِكَ بِيضٌ» ، و «إنَّ بالطريقِ أسدًا رابضٌ» )، ثمَّ هذا آخرُ ما وجدتُه بخطِّه رحمه الله تعالى.

[1] (كما يقال) : ليست في (ب) .

[2] (انتهى) : ليست في (ب) .

[3] في (ب) : (لعلية) .

[4] في (ب) : (بالتفدية) .

[5] في (أ) : (النفي) .

[6] (الرابع) : ليست في (ب) ، وهو من المواضع التي تخرج فيها (ليس) عن رفع الاسم ونصب الخبر.

[7] قوله: (ما لفظه ... ) ليس في (ب) .

[8] (هذه) : ليست في (ب) .

[9] في النسختين: (ابن عبيدة) ، وقد عزاهُ ابنُ السِّيد في «الحلل» (ص 49) (7) إلى أبي عثمان المازني بكر بن محمَّد بن بقية (عدي) بن حبيب.

[10] في النسختين: (ولا يكون) .

[11] (وبنو) : ليست في (ب) .

[12] (اسم كان نكرة) : ليست في (ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت