فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 3792

[حديث: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ... ]

876 - (بَيْدَ) : أي: غيرَ أنَّهم، وقيلَ: معناهُ: على أنَّهم، وزاد على القولين في «شرح السُّنَّة» : (وقالَ المزنيُّ: سمعتُ الشَّافعيَّ رضي الله عنه يقولُ: بَيْدَ: مِنْ أجلِ) .

وقال البِرماويُّ: (بفتحِ الموحَّدةِ، وسكونِ المثناةِ تحتُ، وفتحِ الدَّالِ، قال أبو عُبيدٍ: بمعنى: «غير» ، وبمعنى: «على» ، وبمعنى: «مِن أجل» ، وكلُّه صحيحٌ هنا) انتهى.

وقال ابن الملقِّن: (بمعنى: غير، قال القُرطبيُّ: «نصبُه على الاستثناءِ، ويُمكنُ على ظرفِ الزَّمانِ، وقيلَ: بمعنى: على أنَّهم» ، وعنِ الشافعيِّ: «بمعنى: مِن أجل» ، وحُكِيَ بالميمِ بدلَ الباءِ؛ لقُربِ المخرجِ، قال ابنُ سِيده: «والأوَّلُ أعلى، ورُوي: بِأَيْدٍ؛ أي: بقوَّةٍ إنَّا أُعطِينا، وهي غلطٌ، قال أبو عُبيدٍ: «هو غلطٌ ليسَ له معنًى يُعرفُ» ، وكذا قال في «الواعي» ، وابنُ الأثيرِ: «لا أعرفُها لغةً، ولا في كتابٍ، ولا أعلمُ وزنَها، وهلِ الباءُ زائدةٌ أم أصليَّةٌ» ) .

وقال ابنُ هشامٍ:( «بَيْدَ» ، ويُقالُ: «مَيْدَ» ؛ بالميم، وهو اسمٌ ملازمٌ للإضافةِ إلى «أنَّ» وصلتِها، ولهُ معنيانِ:

أحدُهما: غير، إلَّا أنَّه لا يقعُ مرفوعًا، ولا مجرورًا؛ بل منصوبًا، ولا يقعُ صفةً، ولا استثناءً متَّصلًا، وإنَّما يُستثنى به في الانقطاعِ خاصةً، ومنه: «بَيْدَ أنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا» ، وفي «مسندِ الشافعيِّ» : «بَايِدَ أنَّهم» .

وفي «الصّحاح» : «بَيْدَ: بمعنى: غير، يُقال: إنَّه كثيرُ المالِ بَيْدَ أنَّه بخيلٌ» انتهى.

وفي «المُحْكَم» : أنَّ هذا المثالَ حكاهُ ابنُ السِّكِّيتِ، وأنَّ بعضَهُم فسَّرَها بمعنى: «على» ، وأنَّ تفسيرَها بـ «غير» أعلى.

والثاني: أنْ يكونَ بمعنى: مِنْ أجلِ، ومنهُ الحديثُ: «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ» .

وقالَ ابنُ مالكٍ وغيرُه: إنَّها هنا بمعنى: «غير» ؛ على حدِّ قولِه: [من الطَّويل]

~ وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

وأنشدَ أبو عُبَيْدٍ [1] على مجيئِها بمعنى: «مِن أجلِ» قوله: [من الرَّجز]

~ عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ أَنْ تُرِنِّي

«تُرِنِّي» : مِنَ الرَّنينِ؛ وهو الصوتُ) انتهى ببعض اختصارٍ.

ورأيتُ في «توضيحِ ابنِ مالكٍ» قال [في قوله] : «بَيْدَ كُلُّ أُمَّةٍ» [خ¦3486] :( [بَيْدَ] بمعنى: «غير» ، والمشهورُ استعمالُها متلوَّةً بـ «أَنَّ» ؛ كقولِه: «بَيْدَ أَنَّهُمْ» ، وفي رواية: «بَيْدَ كُلُّ أُمَّةٍ» الأصلُ [2] : [بَيْدَ] أَنَّ كلَّ أُمَّةٍ؛ فحُذِفَتْ «أَنَّ» ، وبَطَلَ عملُها، وأُضيفتْ «بَيْدَ» إلى المبتدأِ والخبرِ اللَّذينِ كانا معمولَي «أَنَّ» ، وهذا الحذفُ في «أَنَّ» نادرٌ، ولكنَّه غيرُ مُسْتَبْعَدٍ في القياسِ على حذفِ «أَنْ» ؛ فإنَّهُما أُختانِ في المصدريَّةِ، وشبيهتانِ في اللَّفظِ، وممَّا حُذِفَ منه «أَنْ» واكتُفي بصلتِها: قولُه تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيْكُمُ الْبَرْقَ} [الروم: 24] ، والأصلُ: أَنْ يُرِيَكُم؛ لأنَّ الموضعَ موضعُ مبتدأٍ خبرُه {مِنْ آيَاتِهِ} ، ومثلُه: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ» ، وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» ؛ أرادَ: «أَنْ تُحِدَّ» ، و «أَنْ تَسْأَلَ» .

والمختارُ عندِي في «بَيْدَ» أنْ تُجعلَ حرفَ استثناءٍ، ويكونَ التَّقديرُ: إلَّا كلُّ أُمَّةٍ، على معنى: «لكنْ» ؛ لأنَّ معنى «إلَّا» مفهومٌ منها، ولا دليلَ على اسميَّتِها) .

قال [3] بعضُ المتأخِّرينَ في «حاشية المُغني» بعدَ نقلِ كلامِ ابنِ مالكٍ: (إنَّ الأصل: بَيْدَ أنَّ كلَّ أُمَّةٍ؛ فحُذِفَتْ «أَنَّ» ، وبَطَلَ عملُها، وأُضيفتْ «بَيْدَ» إلى المبتدأِ والخبرِ اللَّذينِ كانا معمولَين لـ «أنَّ» ) ما لفظُه: (وفي «الشَّرحِ» : وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ما يُضافُ إلى الجملةِ محصورٌ في أشياء ليسَ «بَيْدَ» منها، وأقولُ لابنِ مالكٍ أنْ يُجيبَ عن هذا [4] بمَنْعِ الحصرِ) انتهى.

ص 73

قوله: (أَنَّهُمْ) : بفتحِ الهمزةِ ضبطناهُ، ولا يصحُّ غيرُه، وتقدَّمَ أنَّ في روايةٍ: (بِأَيْدٍ) ، وهي روايةٌ للفارسيِّ [5] ، فتجبُ أن تكونَ (أنَّهم) بعدَ ذلكَ مكسورةً على كلِّ حالٍ، وكلامُ الحمزيِّ طويلٌ؛ فانظرْهُ.

(الْيَهُودُ غَدًا) : قال ابنُ الملقِّنِ: (ونصبُ «غَدٍ» على الظَّرفِ، وهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ التَّقديرُ: فاليهودُ يعظِّمونَ غدًا، والنَّصارى بعدَ غدٍ، وسببُه: أنَّ ظروفَ الزَّمانِ لا تكونُ أخبارًا [6] عنِ الجُثَثِ، فيُقدَّرُ فيه معنًى يُمكنُ تقديرُه خبرًا) انتهى.

وقال البِرْماويُّ: (أي: تَعْيِيدُ اليهودِ أو مَجمَعُهم غدًا؛ أي: السَّبت؛ لأنَّ الزَّمانَ لا يُخبَرُ به عنِ الجُثَّةِ، فيقدَّرُ مضافٌ يكونُ معنًى، و «بعدَ غَدٍ» ؛ أي: الأحد، ويقدَّرُ بما سبقَ في الإخبارِ بـ «غَدٍ» ، أو قيل: إنَّهُما متعلِّقانِ بمحذوفٍ؛ وتقديرُه: فاليهودُ يعظِّمونَ غدًا، والنَّصارى بعدَ غدٍ) انتهى.

ورأيتُ في «توضيحِ ابنِ مالكٍ» _ وقد نظرتُه أجمعَ _ قال: (في هذا الحديثِ وقوعُ ظرفِ الزَّمانِ خبرَ مبتدأٍ، وهو مِنْ أسماءِ الجُثثِ، والأصلُ أنْ يكونَ المخبَرُ عنه بظرفِ الزَّمانِ مِنْ أسماءِ المعاني؛ كقولِك: غدًا التَّأَهُّبُ، وبَعْدَ غَدٍ الرَّحِيلُ، فلو قيلَ: غدًا زيدٌ، وبعدَ غدٍ عمرٌو؛ لم يَجُزْ، فلو كانَ معه قرينةٌ تدُلُّ على اسمِ معنًى محذوفٍ؛ جازَ؛ كقولِك: قُدومُ زيدٍ اليومَ، وعمرٌو غدًا، [أي: وقدومُ عمرٍو] ، فحُذِفَ المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه؛ لوضوحِ المعنى، فكذلِكَ يُقدَّرُ قبلَ «اليهود» و «النَّصارى» مضافانِ مِنْ أسماءِ المعاني؛ ليكونَ ظرفا الزمانِ خبرينِ عنهما؛ فالمرادُ _ والله أعلم _: فغدًا تَعْيِيدُ اليهودِ، وبعدَ غدٍ تَعْيِيدُ النَّصارى) انتهى.

وقال في «ألفيَّتِه» :

~ وَلَا يَكُونُ اسْمُ زمَانٍ خَبَرَا عَنْ جُثَّةٍ وَإِنْ يُفِدْ فَأَخْبِرَا

قال بعضُ الشُّرَّاحِ:(ظرفُ الزَّمانِ لا يقعُ خبرًا عنِ الجُثَّةِ إلَّا إنْ أفادَ؛ كقولِهم: «اللَّيلةُ الهلالُ» ، فإنْ لم يُفِدْ؛ لم يقعْ خبرًا عنِ الجُثَّةِ؛ نحو: «زيدٌ اليومَ» ، فإنْ جاءَ شيءٌ مِنْ ذلكَ؛ يُؤوَّلْ، هذا مذهبُ جمهورِ النُّحاةِ.

وذهبَ قومٌ منهمُ ابنُ مالكٍ إلى جوازِ ذلكَ مِنْ غيرِ شذوذٍ، لكن بشرطِ الإفادةِ؛ كقولك: «نحنُ في يومٍ طَيِّبٍ» ، فإنْ لم يُفِدِ؛ امتنعَ)انتهى.

[1] في النسختين تبعًا لـ «المغني» : (أبو عبيدة) ، وصوابه: (أبو عبيد) ؛ وهو القاسم بن سلَّام، انظر «غريب الحديث» له (1/ 139) .

[2] في النسختين: (والأصل) .

[3] في (ب) : (وقال) .

[4] (هذا) : ليست في (ب) .

[5] في النسختين: (للقابسي) ، والمثبت من مصدره، وهي رواية الفارسي في «صحيح مسلم» (855) ، وهو الإمام أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الفسوي ثم النيسابوري التاجر، ولد سنة (353 هـ) ، وكان سماعه «صحيح مسلم» من ابن عمرويه أبي أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن الزاهد النيسابوري الجُلُودي سنة (365 هـ) ، وسمع «غريب الخطابيِّ» منه، وكان شيخًا ثقةً صالحًا صائنًا محظوظًا من الدين والدنيا، مباركًا في الرواية على قِلَّة سماعه، مشهورًا مقصودًا من الآفاق، سمع منه الأئمة والصدور، وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي عليه «صحيح مسلم» نيفًا وثلاثين مرَّةً، وقرأه عليه أبو سعيد البحيري نيفًا وعشرين مرَّةً، وممَّن قرأه عليه من مشاهير الأئمة زينُ الإسلام أبو القاسم القشيري والواحدي وغيرهما، وتوفي سنة (448 هـ) ، وقد استكمل خمسًا وتسعين سنة، انظر «المنهاج شرح مسلم» (1/ 120) .

[6] في (ب) : (أخبار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت