5070 - (إِلَى اللهِ) في الشرطِ: يجوزُ كونُه خبرَ (كَانَ) ، ويجوزُ تعلُّقُه بـ (هِجْرَتُهُ) ، فـ (كانَ) حينئذٍ تامَّةٌ، وأمَّا في الجزاءِ؛ فـ (إِلَى اللهِ) لا يتعلَّقُ بـ (هِجْرَتُهُ) .
(فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) : فيه وضعُ الظاهرِ موضِعَ المضمَرِ، فإنَّ الأصلَ: فهجرتُهُ إليهما، وفيه وجهانِ:
أحدُهما: قصدُ الاستلذاذِ بذِكْرِهِ؛ ولهذا لم يُعِدْهُ في الجملةِ الثانيةِ؛ وهي قولُهُ: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) ؛ إعراضًا عن تكريرِ لفظِ (الدنيا) .
وثانيهما: عَدَلَ عن ذلكَ؛ لئلَّا يجمعَ بينهما في ضميرٍ واحدٍ، قاله صاحبُ «التنقيح» .
إشارةٌ: إن قلتَ: المبتدأُ والخبرُ بحسبِ المفهومِ متَّحدانِ، فما الفائدةُ في الإخبارِ؟
قلتُ: لا اتِّحادَ؛ إذِ الجزاءُ محذوفٌ؛ وهو (فلا ثوابَ له عندَ اللهِ) ، والمذكورُ مستلزِمٌ له دالٌّ [عليه] ، أو فهي [1] هجرةٌ قبيحةٌ خسيسةٌ؛ لأنَّ المبتدأَ والخبرَ _وكذا الشرطُ والجزاءُ_ إذا اتَّحدا صورةً يُعلَمُ منه التعظيمُ؛ نحو: «أنا أنا» ، و «شِعْري شِعْري» ، و «من كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» ، أوِ التحقيرُ؛ نحو: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ» ، قاله الكرمانيُّ، وتقدَّمَ بعضُ كلامِهِ أوَّلَه [خ¦1] .
وقال ابنُ دقيق العيد: (التقديرُ: نِيَّةً وقَصْدًا؛ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ حُكْمًا وشَرْعًا) انتهى.
قال بعضُهُم: وهذا فيه نظرٌ، فإنَّ المقدَّرَ حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ، فكيفَ تُحذَفُ؟ فالأَولى [أنْ]
ص 178
تكونَ «نِيَّةً وقصدًا» على التمييزِ، ويجوزُ حذفُه إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ كقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] ؛ أي: رجلًا، انتهى.
وقال بعضُهُم: فإنْ قيل: الشرطُ سببُ الجزاءِ، والسببُ غيرُ المسبَّب، وقدِ اتَّحدَا في هذا الحديثِ؟
أُجيب بوجهين:
أحدُهُما: أنَّهما متغايرانِ معنًى، فإنَّ التقديرَ: فهجرتُهُ مقبولةٌ.
ثانيهما: ما قاله ابنُ مالكٍ؛ وهو: أنَّه قد يُقصَدُ بالخبرِ المفردِ بيانُ الشُّهرةِ، وعدمُ التغيُّرِ، فيتَّحدُ بالمبتدأِ لفظًا؛ كقولِ الشاعرِ: [من الطويل]
~ خَلِيلِي خَلِيلِي دُونَ رَيْبٍ وَإِنَّمَا أَلَانَ امْرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَلِيلَا
وقولِ أبي النَّجْم: [من الرجز]
~ أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي
أي: خليلي مَنْ لا أشكُّ في صِحَّةِ خُلَّتِهِ، ولا يتغيَّرُ في حضورِهِ وغَيبتِهِ، وشِعْرِي على ما ثبتَ في النفوسِ مِنْ جزالتِهِ، والتوصُّلِ به مِنَ المرادِ إلى غايتِهِ.
وقد يُفعلُ مثلُ ذلك بجوابِ الشرطِ؛ كقولِكَ: مَنْ قَصَدَنِي؛ فقد قَصَدَنِي، وكقولِه تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ؛ إذْ معناه: إنْ لم تُبَلِّغْ؛ فما بلَّغْتَ رسالته، ومنه: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» .
[1] زيد في (أ) : (إذا اتَّحدا) ، ولعلَّه سبق نظر.