5 - (شِدَّةً) : إمَّا مفعولٌ به لـ (يُعالِجُ) ، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ؛ أي: معالجةً شديدةً.
(وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) : قال الكرمانيُّ: (أي: كان العلاجُ ناشئًا مِن تحريك الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاجِ منه، أو «ما» بمعنى: «مَنْ» ؛ إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا؛ أي: كان ممَّن يحرِّك) انتهى.
وقال غيرُه: أعاد (كان) ، وهو جائزٌ إذا طال الكلامُ، كما في قوله تعالى: {أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ} .
وقال الكرمانيُّ: (قال عياض: معناه: كثيرًا ما كان يفعلُ ذلك، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه) انتهى كلامُ الكرمانيِّ، فجعل (ما) كناية عن ذلك، ومثلُه قوله: (كان ممَّا يقولُ [1] لأصحابه: «مَن رأى منكم رؤيا» ) ، وأدغم النون في ميم (ما) ، وقيل: معناها: (ربَّما) ، وهو قريبٌ من الأوَّل؛ لأنَّ (ربَّما) قد تأتي للتكثير.
وقال شيخُنا بعد إيراد كلام الكرمانيِّ _ وهو: أي: كان العلاجُ ناشئًا من تحريكِ الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاجِ منه، أو (ما) موصولةٌ، وأُطلقت على مَن يَعقل مجازًا _: (وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الشِّدَّة حاصلةٌ له قبل التحريك، والصوابُ ما قاله ثابتٌ: إنَّ المراد: كان كثيرًا ما يفعلُ ذلك، وورودُ(ممَّا) في هذا كثيرٌ، ومنه حديثُ الرؤيا، ومنه قولُ الشاعر: [من الطويل]
~ وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى وَجْهِهِ يُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
ويؤيِّدُه: ما في «التفسير» : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريلُ بالوحي وكان [2] ممَّا يحرِّك به لسانَه وشفتيه» ، فأتى بهذا اللفظ مجرَّدًا عن تقدُّمِ العِلاج الذي قدَّره الكرمانيُّ، فظهر ما قال ثابتٌ، ووجهُ ما قال غيرُه: أنَّ «مِن» إذا وقع بعدها «ما» ؛ كانت بمعنى «رُبَّما» ، وهي تطلق على القليل والكثير، وفي كلام سيبويه مواضعُ من هذا؛ منها قولُه: «اعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا» [3] ، ومنه حديثُ البراء: «كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ممَّا نحبُّ أن نكونَ عن يمينه» [4] ، وفي حديث سمرةَ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصبح ممَّا يقول لأصحابه: مَن رأى منكم رؤيا» [5] ) [6] .
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) إلى قولهِ: (فَأَنْزَلَ اللهُ) : جملةٌ معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ؛ كما قال الشَّاعر: [من الكامل]
~ وَاعْلَمْ _ فَعِلْمُ المَرِءِ يَنْفَعُهُ _ أَنْ سَوفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
(فَأَنْزَلَ اللهُ) : عطفٌ على (كَانَ يُعَالِجُ) .
(كَمَا قَرَأَهُ) : (الهاء) للقرآن، وضميرُ الفاعِل عائدٌ إلى (جبريل) ، وفي بعضها: (قرأَ) ؛ بحذف المَفعُول.
[قوله: (قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَ) : كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ ما قرأه جبريلُ بعينه، ولهذا قال: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، ونحن كذلك نقولُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ، وهذا فيه دلالةٌ على التقيُّدِ بألفاظِ القرآن، وأنَّه لا يجوزُ تغييرُها ولا التعبيرُ عنها بغيرِ العربيَّةِ، ولا العدولُ إلى معناها، وهذا اتِّفاقٌ مِنَ العلماءِ إلَّا ما يُحكى عن بعضِهم، ويقال: إنِّه رجعَ عنه.
وأمَّا غيرُ القرآنِ؛ فإنَّه إذا أتاه جبريلُ به يكونُ عليه السلام متصرِّفًا فيه، فيذكرُه بمعناه مرَّةً، وبلفظِه أُخرى، والأغلبُ الأوَّلُ].
ص 11
[1] في النسختين: (كان يقول مما يقول) .
[2] الذي في النسختين و «الفتح» (1/ 39) : (فكان) ، والمثبت لفظ البخاري في «صحيحه» (4929) .
[3] «الكتاب» (1/ 24) .
[4] أخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده» (4/ 290) ، وابن ماجه في «سننه» (1006) .
[5] سلف تخريجه قريبًا.
[6] «فتح الباري» (1/ 39) .