3779 -[قوله: (لَوْلَا الْهِجْرَةُ؛ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ) : ليسَ المرادُ منه الانتقالَ عنِ النسبَ الولاديِّ؛ لأنَّه حرامٌ، معَ أنَّ نسبَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم أفضلُ الأنسابِ، وإنَّما أرادَ به النسبَ البِلاديَّ؛ ومعناهُ: لولا الهجرةُ مِنَ الدِّينِ ونسبتُها دِينيَّة لا يَسعُنِي تركُها؛ لأنَّها عبادةٌ كنتُ مأمورًا بها؛ لانتسبتُ إلى دارِكُم، ولانتقلتُ عن هذا الاسمِ إليكم، ومعناهُ: تسمَّى باسمِهِم، وانتسبَ إليهم، كما كانوا يتناسبونَ بالحِلْف، لكنَّ خصوصيَّةَ الهجرةِ وتربيتَها سبقتْ.
قلتُ: فهي أعلى وأشرفُ، فلا تتبدَّلُ بغيرِها، ولا ينتفي منها مَن خُصَّتْ له، قاله القُرطبيُّ.
وقيل: معناهُ: لكنتُ منهم في الأحكامِ والعِدادِ، وبه جزمَ الشيخُ تقيُّ الدِّين.
وقال بعضُهم: يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ: لولا ثوابُ الهجرةِ؛ لكنتُ أختارُ أنْ يكونَ ثوابي ثوابَ الأنصارِ فيما أحرزوهُ بالنُّصرةِ، ولا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ النسبَ قطعًا.
وقال ابنُ الجوزيِّ:(إنْ قال قائلٌ: كيفَ يُتصوَّرُ أنْ يكون عليه السلام مِنَ الأنصارِ؟ وكيفَ أرادَ هذا ونسبُه أفضلُ؟
فالجوابُ: أنَّه لم يُرِد تغييرَ النَّسَبِ، ولا محوَ الهجرةِ؛ إذْ كِلاهما ممنوعٌ مِنْ تغييرِه، وإنَّما المرادُ النِّسبةُ إلى المدينةِ والنُّصرةُ للدِّين؛ فالتقديرُ: لولا أنَّ النسبةَ إلى الهجرةِ نسبةٌ دينيَّةٌ لا يَسَعُ تركُها؛ لانتسبتُ إلى دارِكُم، قال: ثمَّ إنَّ لفظَ «لولا» يَرِدُ لتعظيمِ الأمرِ وإنْ لم يقعْ؛ كقولِه تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] ، وهذا إنَّما صدرَ منه بيانًا لفضيلَتِهِم وحُبِّهِ إيَّاهُم) ].
ص 153