(بَابُ: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ) إلى قوله تعالى: ( {فِي الحَجِّ} ) : {الْحَجُّ} : مبتدأٌ، و {أَشْهُرٌ} : خبرُه، والمبتدأُ والخبرُ لا بُدَّ وأنْ يصدُقا على ذاتٍ واحدةٍ، و {الْحَجُّ} فعلٌ مِنَ الأفعالِ، و {أَشْهُرٌ} زمانٌ، فهما غَيْرَانِ، فلا بُدَّ مِن تأويلٍ، وفيه احتمالاتٌ:
أحدُها: حذفُ مضافٍ مِنَ الأوَّلِ؛ تقديرُه: أشهرُ الحجِّ أشهرٌ معلوماتٌ، أو الحذفُ مِنَ الثاني؛ تقديرُه: الحجُّ حجُّ أشهُرٍ معلوماتٍ [1] ، فيكونُ حَذَفَ مِنْ كلِّ واحدٍ ما أَثبتَ نظيرَه، أو تجعَلُ الحدثَ نفسَ الزَّمانِ مبالغةً، ووجهُ المجازِ كونُه حالًّا فيه، فلمَّا اتُّسِعَ في الظَّرفِ؛ جُعِلَ نفسَ الحدَثِ، ونظيرُها قولُه تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] .
وإذا كانَ ظرفُ الزَّمانِ نكرةً مُخْبَرًا به عن حَدَثٍ؛ جازَ فيه الرَّفعُ والنَّصبُ مطلقًا؛ أي: سواءٌ كانَ هذا الحَدَثُ مستوعِبًا للظَّرف أم لا، هذا مذهبُ البصريِّين.
وأمَّا الكوفيُّون؛ فقالوا: إنْ كانَ الحدثُ مستوعِبًا؛ فالرفعُ فقط؛ نحو: (الصومُ يومٌ) ، وإن لم يكن مستوعِبًا؛ فهشامٌ يلتزمُ رفعَه أيضًا؛ نحو: «ميعادُك يومٌ» ، والفرَّاءُ يُجِيزُ نصبَه؛ كمثل البصريِّينَ، وقد نُقِلَ عنه أنَّه مَنَعَ نصبَ {أَشْهُرٌ} في الآية؛ لأنَّها نكرةٌ، فيكونُ له في المسألةِ قولان، والمسألةُ مطوَّلةٌ، فانظر المطوَّلات.
و (مَنْ) : شرطيَّةٌ أو موصولةٌ.
و ( {فِيهِنَّ} ) : متعلِّقٌ بـ {فَرَضَ} ، والضَّميرُ في {فِيهِنَّ} يعودُ على {أَشْهُرٌ} ، وجِيءَ به كضميرِ الإناث؛ لأنَّ جمعَ غيرِ العاقلِ في القِلَّةِ يُعامَلُ معاملةَ جمعِ الإناثِ على الأفصحِ.
( {فَلَا رَفَثَ} ) : الفاءُ إمَّا جوابُ الشَّرطِ، وإمَّا زائدةٌ في الخبرِ.
ص 101
[1] قوله: (أو الحذف من الثاني ... ) سقط من (ب) .