فهرس الكتاب

الصفحة 10302 من 27809

ـ [مسلم طالب العفو] ــــــــ [26 - Apr-2010, صباحًا 07:57] ـ

كتبه/ محمد مصطفى

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فممَّا اختصَّ اللهُ -عز وجل- به الأمةَ الإسلامية خصيصةُ الإسناد المتصل، تلك الخصيصة التي لا توجد عند أي أمَّة من الأمم، ممَّا جعلها أمةً فريدةً في إثبات ما تدين به وتعتقده، بخلاف غيرها من الأمم ممن يدين بما لا يمكن إثباته بسند متصل، فضلًا عن أي سند ولو كان منقطعًا!

والإسناد اصطلاحًا هو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر واحدًا بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي، فصار الإسناد بذلك هو الوسيلة لنقد الأخبار؛ إذ بمعرفة نقلة الخبر تُعرف قيمته من حيث القبول والرد، قال ابن المبارك -رحمه الله-:"الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"رواه مسلم في مقدمة الصحيح.

وكما أمر الشرعُ بقبول خبر العدل الثقة؛ فقد أمر الله -عز وجل- في كتابه وأمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في سنته بالتثبُّت من خبر الفاسق، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) (متفق عليه) ، وقال أيضًا -صلى الله عليه وسلم-: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (رواه مسلم) .

قال الحاكم -رحمه الله-:

"فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه؛ لدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والبدع بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد؛ فإن الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الأسانيد كانت بُترًا"معرفة علوم الحديث: ص6.

وصدق رحمه الله؛ فقد بذل علماء المسلمين غاية الجهد في الحفاظ على الأسانيد وتنقيتها من الكذب والوضع؛ فوضعوا قواعد لجرح الرواة وتعديلهم، ودقَّقوا في وضع الألفاظ الدالة على الجرح أو التعديل وبيان معانيها، وتشهد بذلك عشرات المؤلفات لعلماء المسلمين في شروط وقواعد الرواية وبيان الثقات والضعفاء، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.

الاهتمام بالأسانيد امتد ليشمل غير الحديث النبوي، كالتاريخ:

وإن كان الحديث النبوي قد نال أعلى الاهتمام بدراسة أسانيده وتنقيتها؛ إلا أن الاهتمام بالأسانيد قد امتدَّ ليشمل عددًا من العلوم كالتفسير، والتاريخ، والأدب، حتى صار صفةً غالبةً على منهج تدوين العلوم الإسلامية المختلفة.

والروايات التاريخية المسندة يجدُها الباحث في كتب التاريخ المسنَدة نفسها، وعلى رأسها"تاريخ الأمم والملوك"المعروف بـ"تاريخ الطبري"، ومنها أيضًا كتاب"التاريخ"لخليفة بن خيَّاط البصري، وكتاب"التاريخ الكبير"ليعقوب بن سفيان الفَسَوي، وكتاب"التاريخ"لأبي زرعة الدمشقي، وغيرها من الكتب المسندة، وكذلك توجد بعض المرويات التاريخية في كتب الحديث مثل:"صحيح البخاري"و"مسند أحمد"و"جامع الترمذي"، أو في المصنفات مثل:"مصنف ابن أبي شيبة"، أو في كتب التفسير التي تذكر بعض الروايات التاريخية بالأسانيد مثل:"تفسير الطبري".

ولكن الناظر في الروايات التاريخية يجد أنه بالرغم من وجود روايات مسندة إلا أن الأغلب الأعم في الروايات التاريخية أنها لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها واتصال أسانيدها إلى درجة الأحاديث النبوية، وأكثرها محمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيها المجاهيل والضعفاء والمتروكون، إلا فيما يتعلق ببعض المرويات في السيرة والخلافة الراشدة.

تساهل العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية بخلاف الحديث النبوي:

إلا أن الناظر في طريقة العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية يجد أن هناك فرقًا بين تطبيق قواعد نقد الحديث على الحديث النبوي وعلى الروايات التاريخية؛ فقد كان مِن علماء السلف نوعُ تساهلٍ -تحكُمُه ضوابطُ- مع روايات التاريخ، ولم يعاملوها معاملة الحديث.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت