فهرس الكتاب

الصفحة 6643 من 27809

ـ [إني مهاجر إلى ربي] ــــــــ [11 - Apr-2009, مساء 03:40] ـ

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (11>82) : «ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل. لكنهم أكثر الناس صوابًا وأندرهم خطأً وأشدهم إنصافًا وأبعدهم عن التحامل. وإذا اتفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ، فتمسك به واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه فتندم. ومن شذ منهم فلا عِبْرة به. فخَلِّ عنك العَناء، وأعط القوس باريها. فو الله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر. ولئن خطب خاطبٌ من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول r. فنعوذ بالله من الخذلان» .

قال ابن حجر في نزهة النظر (ص192) : «وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل. فإنه إن عدل أحدًا بغير تثبت، كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت، فيخشى عليه أن يدخل في زمرة"من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب". وإن جرح بغير تحرز، فإنه أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبدًا. والآفة تدخل في هذا تارة من الهوى والغرض الفاسد -وكلام المتقدمين سالم من هذا غالبًا- وتارة من المخالفة في العقائد» .

ينبغي لطالب علم الحديث أن يعرف أن العلماء في الجرح والتعديل على أربع مراتب:

المتشددون: أبو حاتم الرازي (195 - 277هـ) ، يحيى بن سعيد القطان (120 - 198 أو 168هـ) ، العُقَيْلي (322هـ) ، أبو الفتح الأزدي (374هـ) ، ابن حِبَّان (في كتابه المجروحين) (354هـ) ، أبو نعيم الفضل بن دكين المُلائي (130 - 219هـ) ، عفان بن مسلم الصَفّار (ت220هـ) ، ابن خراش الرافضي (يتعنت مع أهل السنة) (283هـ) .

المعتدلون مع بعض التشدد: البُخاري (194 - 256هـ) ، مُسلم (261هـ) ، يحيى بن معين (158 - 233هـ) ، أبو زُرعة الرازي (200 - 264هـ) ، النَّسائي (215 - 303هـ) ، علي بن المَديْني (261 - 234هـ) ، مالِك (93 - 179هـ) ، شُعْبة بن الحجاج (160هـ) ، عبد الرحمان بن مهدي (135 - 198هـ) ، أبو إسحاق إبراهيم الجُوزجاني السعدي (قد يتشدد مع الكوفيين) (259هـ) ، أبو الحسن بن القطان الفاسي (قد يتشدد مع المجاهيل) (628هـ) ، عثمان بن أبي شيبة (156 - 239هـ) ، ابن حزم الأندلسي (384 - 456هـ) .

المعتدلون مع بعض التساهل: محمد الذهلي (172 - 258هـ) ، أحمد بن حنبل (164 - 241هـ) ، أبو داود (275هـ) ، أبو الحسن الدّارَقَطْني (385هـ) ، ابن عدي (277 - 365هـ) ، ابن سعد (168 - 230هـ) ، دحيم (170 - 245هـ) ، ابن يونس المصري (281 - 347هـ) ، ابن نمير الكوفي (165 - 234هـ) ، الخطيب البغدادي (392 - 463هـ) ، ابن عبد البر (368 - 463هـ) ، ابن منده (310 - 395هـ) ، سُفيان بن سعيد الثَّوري (97 - 161هـ) ، بقي بن مخلد الأندلسي (276هـ) ، الذهبي (748هـ) ، ابن حجر (852هـ) .

المتساهلون: ابن خُزَيْمة (311هـ) ، ابن حِبَّان (بذكره بكتاب"الثقات"أو بصحيحه) (354هـ) ، الحاكم (321 - 405هـ) ، البَيْهُقي (384 - 458هـ) (وهم تلامذة بعض) ، العِجلي (261هـ) ، أبو عيسى التِّرمِذِي (279هـ) ، ابن السكن (294 - 353هـ) ، أبو بكر البزّار (215 - 292هـ) ، ابن جرير الطبري (310هـ) ، أبو جعفر أحمد بن صالح المصري (170 - 248هـ) ، وتلميذه يعقوب بن سُفْيَان الفسوي (277 هـ) ، أبو حفص بن شاهين (297 - 385هـ) .

أهم المراجع لهذا البحث:"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل"للذهبي (ص158 - 159) . وذكر الذهبي قريبًا من هذا في"الموقظة" (ص83) . وأشار إلى ذلك ابن ناصر الدين في"الرد الوافر" (ص10) ، وابن حجر في"النكت" (ص482) . إضافة إلى الاستقراء وإلى الأقوال الكثيرة المتفرقة التي أشرنا لبعضها في كل رجل من هؤلاء.

وهذا التقسيم لا يرجع له عمومًا إلا عند اختلاف الجرح والتعديل. وقد رسم الحافظ الذهبي في ذلك السبيل الواضح لمن وجد اختلافًا في الكلام على الرجل الواحد من الأئمة النقاد، وكان منهم متشدد وآخر متساهل. فقال في رسالته القيمة"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (172) عن الرواة: «قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ويلين بذلك حديثه. فهذا إذا وثق شخصًا فعض على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه. وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه: فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف. وإن وثقه أحد، فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسرًا» . قال المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة: «ما اشتهر من أن فلانًا من الأئمة مسهل وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه. فإن منهم من يسهل تارة ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم لا تحصل إلا باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام» . وعليه: فلا يعني وصف الإمام بالتشديد إهدار تضعيفه، ولا وصفه بالتساهل إهدار توثيقه، ولا وصفه بالإنصاف اعتماد حكمه مطلقًا. وإنما فائدة هذه الأوصاف اعتبارها قرينة من قرائن الترجيح عند التعارض.

هذا كله في حال أن الرجل الراوي كثير الحديث. وأما إذا كان قليل الحديث فاختلف العلماء على مذاهب:

1)مذهب توثيق المجاهيل، حتى لو كانوا لا يعرفون عنهم شيئًا. وهو مذهب ابن حبان والعجلي وابن خزيمة والحاكم.

2)مذهب توثيق قليل الحديث، من ليس بالمشهور حتى لو لم يكن له إلا حديثٌ واحد. وهو مذهب ابن سعد وابن معين و النسائي والبزّار والطبري والدارقطني.

3)مذهب الجمهور: لا يوثقون أحدًا حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة. وبذلك يجزمون بقوة حفظ هذا الراوي. وهو مذهب غالب علماء الجرح والتعديل وبخاصة علي بن المديني والبخاري وأبي حاتم الرازي.

4)مذهب التضييق في هذا والتشديد في ذلك. كما يفعل ذلك ابن حزم وابن القطان الفاسي حتى أنهم قد يجهّلون أناسًا من الثقات أو أناسًا لا بأس بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت