فهرس الكتاب

الصفحة 13266 من 27809

ـ [الغامدي1] ــــــــ [03 - Aug-2007, صباحًا 06:30] ـ

السؤال

فضيلة الشيخ: ما حكم أكل لحم الضبع؟ علمًا أنه من الحيوانات المفترسة ذات الأنياب وآكلات الجيف.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد

اختلف العلماء في حكم أكل الضبع على ثلاثة أقوال:

الأول: أنه جائز، وهو قول جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهم، وعليه مذهب الشافعي وأحمد.

واستدلوا لذلك بحديث جابر رضي الله عنه أنه سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. رواه الترمذي في"سننه" (851) ، والنسائي في"سننه" (2836) ، وأبو داود في"سننه" (3801) ، وصححه جمع من المحدثين.

الثاني: أنه حرام الأكل، وهو قول سعيد بن المسيب وابن المبارك والليث وسفيان والحسن والأوزاعي وعبدالرزاق، ومذهب أبي حنفية وقول لمالك.

واستدلوا لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.

ومن أسباب الخلاف في هذه المسألة: تعارض دلالة حديث أبي ثعلبة مع حديث جابر المذكورين.

ومن أسبابه: خلاف العلماء في قول جابر: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يعني أنه سمع أنه صيد يُفدى، أو أن الذي سمعه: أنه يؤكل؟

فالحديث محتمل للأمرين، والمانعون قالوا: إن جابرًا نسب اعتباره صيدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بالتحريم فهمًا منه بأن وصف الصيد يبيح الأكل؛ فلا يكون فهمه معارضًا لدلالة حديث أبي ثعلبة الصريح في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع.

ومن أسباب الخلاف التردد في الضبع: هل هو سبع له طبع العدوان؛ كالأسد والنمر والذئب؟ وهل له ناب؟ حتى يُطبق وصفا الحديث في النهي عن"كل ذي ناب من السباع".

فسلم الإمام ابن القيم رحمه الله ـ الذي يرى جواز أكله ـ بأنه ذو ناب، ولكنه لا يراه سبعًا عاديًا؛ حيث قال: ( .. فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها؛ كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية) أهـ.

وإذا كان وصف"الناب"ووصف"السبُعية"تعبدان لا يُعقل لهما معنى؛ فالضبع سبع ذو ناب. أما صفة السبعية والعدوانية فهي ظاهرة فيه؛ حيث يعدو على الحيوانات مأكولة اللحم؛ كالغزال والإيل والبقر الوحشية؛ بل إنه يعدو على الإنسان ويأكله، ويعدو على السباع الصغيرة أو الوحيدة فيفترسها، وهذا ظاهر لمن تأمل سلوكه؛ فعليه فهو مشمول بالنهي في حديث أبي ثعلبة المذكور.

وإن كان الوصفان معقولين مقصودهما أن ما فيه هاتان الصفتان فإن أغلب اغتذائه على اللحوم فيحرم فالضبع كذلك، مع ما ينحط به عن بقية السباع بما يصفه علماء الأحياء بكونه من"المفترسات القمَّامة"أو"منظفات البيئة"التي تأكل الجيف والمنتنات.

وأما حديث جابر فلا يصح الاستدلال به لتخصيص الضبع من عموم النهي؛ لما أورد عليه من الاحتمالات القوية في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتمال إذا ورد بطل به الاستدلال؛ كما تقرر ذلك في الأصول.

وتأيد هذا أنه جاء الحديث من وجوه أخرى بكونه صيدًا عن جابر نفسه، وكذلك عن ابن عباس وأبي هريرة، ولم يذكر فيها حل أكله، وذكْرُ حل الأكل أولى بالتنويه من ذكر كونه صيدًا؛ مما يؤكد أن الذي رواه جابر هو كونه صيدًا يُفدى؛ لا أنه حلال يؤكل.

وروى أحمد في"مسنده" (14137) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عمارٍ أنه قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه: آكُلُ الضَّبُعَ؟ قال: نعم، قلت: أصيدٌ هِي؟ قال: نعم، قلت: أسمعت ذلكَ من رسولِ الله، قالَ: نَعَمْ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت