فهرس الكتاب

الصفحة 24086 من 27809

ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [21 - Sep-2007, مساء 07:44] ـ

- (( اسمح لي لابد لي من الانصراف ) )

خاطبت بتلك العبارة رجلًا ممن حضروا خطبة الجمعة اليوم لي،وأبى إلا أن يحاصرني بأسئلته بعد الصلاة، أجبته عما استطعت ولكني كنت اليوم في عجلة من أمري ..

جددت السير، اخترقت السوق، عبرت باحة الجامع الكبير ... أعين الناس تحدق في ولسان حالهم: مالذي حل بك ياأبا عمر ما عهدناك هكذا يومًا (؟؟؟)

وأجبتهم بلسان الحال أيضًا: إن اليوم لا كغيره ..

ولجت باب المسجد مسرعًا فقد تأخرت على درس شيخنا أبي العباس الذي وعد أن يلقيه بعد خطبة الجمعة، وشيخنا لم يخاطب عامة الناس منذ كذا وكذا فقد حال بينه وبين المنبر صروف وخطوب ...

حمدت الله أنَّ شيخنا لم يغادر افتتاحية درسه بعد ..

جلست حيث انتهى بي المجلس وسمعت شيخنا يتلو:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

قال شيخنا:

يا أحبابي:

الناظر الفطن هو الذي يقفز متجاوزًا الاسم الظاهر باحثًا عن الحقيقة الباطنة ... فلا يغتر بالتمويه ولا تخدعه المظاهر الفارغة ...

علمنا القرآن أن هناك مؤمن وهناك المؤمن حقًا ... أما الأول فليس هو سوى اسم الإيمان الظاهر،وخلف الظاهر باطن لا يعلم حقيقته سوى الله.

وأما الثاني-المؤمن حقًا- فقد حصل له من صفات الكمال الإيمانية ما كسى باطنه جلالًا وجمالًا استحق به أن يكون مؤمنًا حقًا،مستحق لما أعده الله للمؤمنين من الخير العميم والفوز العظيم ...

وعلى الوتيرة نفسها هناك حياة ليس لها سوى اسم الحياة وهناك حياة حقيقية وصفها الله فأحسن وصفها فكانت الحياة الطيبة.

نعم. يا أحبتي ...

هناك الحياة وفقط ... ولك أن تصفها كما تشاء وأن تقيدها بما تشاء فكلها يندرج تحت جنس واحد؛ فالحياة الفارغة، وحياة الأنعام، وحياة الضنك، وحياة الضيق، والحياة بلا هدف، والحياة بلا معنى،والحياة بلا حياة ... كل ذلك يندرج تحت جنس واحد فهي حياة مزورة مزيفة يحيا فيها الجسد وتموت فيها الروح ويقتل فيها القلب ...

والله ثم والله اليس هذا بشيء يدعيه الوعاظ من أمثالي بل عبارة صدق وقولة حق =أنه لايستمتع أهل هذه الحيوات الكاذبة بشيء من متع الدنيا إلا وتصحبها أو تعقبها غصة ويد ثلجية باردة تعتصر القلب تكاد تخنقه ولا والله لايدري صاحب القلب ماذا حل بقلبه ولا لم يغرقه الحزن ويحاصره الهم كأن لم يُمتع بالأمس ....

- (( أتأذن لي يا سيدي(؟؟؟ ) ).

قالها شاب غض الإهاب تبدو عليه آثار النعمة، فأذن له الشيخ.

قال الفتى: لا والله يا شيخنا لم تكذبوا، وإني لمحدثك حديثًا أصدقك فيه فلا أكذبك أبدًا ..

كنت فتى ثريًا منعمًا .... انتهيت من شهادتي الثانوية فأبى أبي إلا أن أكمل تعليمي في إحدى البلدان الأوربية ... عشت هناك ثلاثة أعوام امتلأت بما لا يعسر عليك تخيله مما تفرضه ظروف شاب يمتلأ فتوة ولا يعوزه المال ولم يكن من عناصر تربيته يومًا أن الله قال أو أن رسوله فعل ... فكان ما كان مما لست أذكره ...

وفي ليلة من الليالي ركبني من الهم والغم ما الله به عليم ...

لا لا يسبقن إلى ذهنك أني كنت بحاجة إلى مال أو إمرأة أو غيرها من تلك اللذائذ لا. على العكس يا شيخنا كانت تلك اللذائذ على طرف الثمام مني غير أني زهدتها بل والله زهدت الحياة بأثرها ...

ولا تسألني لماذا كل هذا ...

فهذا ما قمت لأصدقك به إنها الغصة ياسيدي إنها القبضة الثلجية الباردة التي تعتصر القلب ...

أتراها تقتله (؟؟؟)

لا أدري ....

ارتفع الهم حتى بلت الروح الحلقوم ... اتخذت قراري بالنتحار ... وضعت سمًا سريع القتل في كوب ماء هممت بشربه فإذا بالباب يطرق ...

قلت أشرب ...

وقلت بل أرى من الطارق (؟؟؟)

قلت بل أموت فأستريح فلعله صاحب ممن أودوا بي إلى هذه الخاتمة ..

استقر أمري على أن أرى من أولًا ...

فتحت الباب فغذا بوجوه وضيئة وأيد منتوضئة تطرق الباب وإذا هم جماعة من الشباب الملتزم ..

قلت: من أنتم (؟؟)

قالوا نحن نطوف بالبيوت للدعوة وعلمنا من جار لك مسلم بحالك ومحل سكنك فأقبلنا ندعوك لصلاة الفجر معنا في المسجد ..

قلت: طيب اسبقوني وسألحق بكم (وفي نفسي ما تعلمون ما إن ينصرفوا حتى أقضي ما أنا قاض)

قالوا: لا لن ننصرف إلا وأنت معنا ..

واصروا .. هبطت معهم فلم أعد إلى بيت المعصية ودار الذل هذه بعدها يا سيدي ...

ما إن انتهى الفتى حتى وجم أهل المسجد وهم بين باكِ وخاشع ...

قال الشيخ:

لم ترد قبضة الهم الثلجية قتل القلب كما فهمت يا بني .... بل القلب إذا كانت فيه بقية حياة تعلوه الغصة ويركبه الهم إذا ما عصى الله عز وجل ... وما أشبه القبضة الثلجية هذه بصدمات الكهرباء منعشة القلب ... فإما انتعش وإلا مات القلب فأضحى كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا ...

رفعت يدي ....

فقال الشيخ: تكلم يا أبا عمر

فقلت: أتذكر يا شيخنا قول القائل: كل إنسان يموت وليس كل إنسان يحيا

قال الشيخ: وما نسيته مذ أخبرتني به يا أبا عمر ... فكل الأرجل التي تدب على الأرض تظن أنها تحيا ولا والله ما الحي منها إلا من كانت حياته حياة طيبة يحيا فيها القلب وتنعم بها الروح ... وتطمئئن بها النفس.

إنها الحياة الطيبة يا أبا عمر

إنها الحياة الطيبة أيها الناس

فهل أنتم أحياء (؟؟؟)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت