فهرس الكتاب

الصفحة 24172 من 27809

المقامةُ المَوْلِدِيَّة[)

ـ [ابن رجب] ــــــــ [19 - Mar-2008, مساء 09:53] ـ

(] المقامةُ المَوْلِدِيَّة[)

[] المقامةُ المَوْلِدِيَّة []

[المقامةُ الأُولى من مقامة السيرةِ الكُبْرى]

حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ الوائليُّ قال:

استبشرَتِ النفسُ بإهلالِ الربيع، و تاقتْ الأناسيُّ لحالِ الربيع، و سَعى بالأُنْسِ الكلُّ سيرة حسَنة، و رَجى منائحَ مُسْتَحْسَنة، و كنتُ ممن رَغِبَ من ذاك بحظٍّ، و لستُ ذا سَوْءَةٍ و لا فَظٍّ، فارتحلتُ جائبًا أرضَ الحجاز، طارقًا معانيَ الحقيقة و المجاز، ملتمسًا رَوْح الفؤاد، و مسامرة الحاضر و الباد، فقطَعَ المسيرَ الحثيث، نَجاءُ ذِي شَرفٍ أثيث، فصيحِ العبارة، صحيحِ الإشارة، جميلِ البيان، بليغ التبيان،لِجَمعِ أهل الحُبِّ، و لَمِّ آلِ اللبِّ، فأقبلوا عليه يهرعون، و جاؤوا إليه يَسمعون، ليقفوا على سَماعِ سَوْقِ التاريخ، و أطرافه الشماريخ، فارتقى كُرْسِيَّ الوقار، و عَلَتْهُ هيبةُ الكِبار، و طأطأَ رأسَه، و زَكَّى نَفْسَه، ثُم ابتدرنا بكلامٍ عاطر، و خبرٍ طاهر، فقال مقولةَ الصدق، و فاهَ بقولةِ الحقِّ، و كان مُتَّخِذًا شاديًا، و مُستَصْحِبًا حاديًا:

في ربيع الجود و الكرم، و شهرِ العطايا و النِعَم، أشرَقتِ الأرضُ بِبُدُوِّ شمسِ الكمال، و أنارت ببزوغ بدرِ الجمال، سليل أكارمِ عدنان، و نِجلِ مفاخر الخِلاَّن، النبيِّ الخالد، ذي المجد التالد، محمد المُطَّلِبِي، الأصيلِ العربي، مَن به كانت إنقاذةُ الخلائق، و وَصْلِهم بالربِّ الخالق، و تكميلِ خِلالِهم بشرْعِه، و تأسيس أصله و فرْعِه، فما جاءَ ذو الكمال إلا بكمالٍ و لكمالٍ، و لِيُصْلِيَ ذوي النقْصِ أسوأ حال.

وُلِدَ ضياءً و نورًا، مختونًا مسرورًا، مُطّلِعًا برأسِه نحو السماء، لاطِّلاعِ روحِهِ إلى كلِّ سناء، ناجيًا جِهةَ الصلاةِ، حاظيًا جلائل الصِلات، ففَضَلَ على إخوانه، بتخصيص عقله برُجحانه، و أنه نال مقام الفضيلة، و مُنِحَت له الوسيلة، و الكلُّ له تبعٌ، و مقامه به مرتفعٌ، و مشهودٌ له بذيَّاك الفضل، و لم يُغْرِب عنه إلا ذو الجهل، وَ مُنَّ عليه ِحِلِّ الغَنِيْمة، و استقبال الكعبةِ الكريمة، و جَعل الأرضِ طهورًا و مسجدًا، و أن أمته خيرُ الأمم عند الله مَوفِدًا، فتلكَ منائحُ لذاتِه، و كمائلُ في صفاته.

فاحْدُ يا حاديًا بالمديح، و اشْدُ بالقريضِ الفصيح:

هذا الضياءُ بَدَا

مِن أحمدٍ و هَدى

إنَّا بِهِ سُعدَا

جِنًَّا و إنْسانا

جلَّتْ مفاخِرُهُ

عمَّتْ بشائرُهُ

شِيْدتْ منابِرُه

بالسَّعْدِ دِيوانا

و لأهلِ البسيطة الواسعة، مَكْرُماتٍ نافعة، ما حَظِيَ بها قومٌ مِن قبلُ، فكانوا لها أهلُ، فارتَفَعَ في زمنِه الناس، و شَرُفَ الفرعُ و الأساس، فأتباعُه في الكمالِ لا يُدرَكُون، و في العُلى لا يُزاحَمون، فهم أهل الغُرَّة عند الموافاة، و أولُ مَن يُقضى لهم لِعِظَمِ الجاه، بعد كونهم أولَ من خرج، و الجنةَ وَلَج.

فبالأشعارِ اُحْدُ، و بالأبياتِ اُشْدُ:

أتتنا في ولادك كل بشرى

غداة تساقط الأصنام قسرا

وزلزل هيبة إيوان كسرى

وأضحى عرش دولته خرابا

و كان مخصوصًا بشريفِ الأنساب، و مُخْلَصًَا مِن منيف الأحساب، فليسَ أرقى منه انتسابا، و لا أعلى منه احتسابا، استُلَّ من ظُهورِ الطُهْرِ، فصارَ في أرحامٍ صِيْنَتْ مِن العُهر، فكانوا أنْفُسًا نفيسة، و عن الرَّدى حبيسة، حتى بَدا نجمُه في سماء الوجودِ، و بانَتْ ثُرَيَّاهُ بالشأن المحمود، فشرْطُ الإنباءِ طُهرُ الأصول، لطهارةِ المُنَبَّأ المحمول.

و استنشَد الحادي، فأنشد الشادي:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر

فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حصلت أشراف عبد منافها

ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا

هو المصطفى من سرها وكريمها

و استقرَّ الأمرُ في التسمية، على ما حوى معانيَ التحلية، فكان"محمدًا"لِحَمْدِهِ، لعلوِّهِ و مجدِهِ، و كُمِّلَ بالاقتران، في الشهودِ و الأذان، رِفعةً لقدرِه و مقامه، و إعلاءً لرسمه ووِسامه، كما قال حسَّانُه مادحًا، فاشْدُ يا شادي صادحا:

وَ شَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ

فَذُوْ العَرْشِ محمودٌ وَ هذا مُحَمَّدُ

فغدا بين الناسَ محمودَ الحال، و حُمِدَت بتخلُّقِه الخِلال، و حُمِدَ ما جاءَ به إتمامًا، و ما أتى به للخلائقِ إنعامًا، فكان حمدًا لكمالِ مرسولِه، و لجمالِ منقولِهِ، و يُحمَدُ مَن لهُ مُحبٌّ، و مشتاقٌ إليهِ صَبٌّ، أدركنا بِحُبِّهِ كمالاتِ المحامد، و بلغنا شرائفَ المقاصِد.

فذا خبرُ مولدِ السراجِ، و مورِدِ متين الحِجاج، أُبِيْنَ بفصيحِ الحرفِ، و نصيحِ الوصفِ، ليُسْتَدْرَكَ بهِ مولدُ أرواحِ كمالِ الوداد، فتنالَ الأشباحَ تِمَّ الإسعادِ، فليسَ ذِكرًا دونَ عِبْرَة، و لا خبرًا بِلا خِبْرة، فإنه مهيعُ شرفٍ مرومٍ، و مَسْلَكٌ مُعْرَبُ الحالِ برفعِ قَدْرٍ مجزومٍ، و خَتْمُ الحديثِ الأصيل، و الكلامِ النبيل، صلاةٌ تتمُّ، عَن رِضىً تَنِمُّ، و حمدًا للسلامِ، و استمناحًا لِحُسْنِ الختام.

فقام من كُرْسِيِّه الرفيع، مطأطئًا رأسه للشريفِ و الوضيعِ، تعلوه ابتسامةُ الهُداة، و هيبةُ الأُباة، و قفَلْتُ آيبًا لداري، مُحمَّلًا بكنوزِ الدراري، فأدمتُ الصلاةَ على الرسولِ شُكرًا و حمدًا، فارتقيتُ علاءً و مجدًا.

كتبَها

عبدُ الله بن سُليمان العُتَيِّق

الرياض

منقول ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت