فهرس الكتاب

الصفحة 16538 من 27809

ـ [ابو محمد الغامدي] ــــــــ [27 - Aug-2009, صباحًا 12:22] ـ

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:

في معنى التلبية ثمانيه أقوال:

أحدهما: إجابة لك بعد إجابة , ولهذا المعنى كررت التلبية. إيذانا بتكرير الإجابة.

الثاني: أنه انقياد , من قولهم لبب الرجل , إذا قبضت على تلابيبه , ومنه: لببته بردائه. والمعنى: انقدت لك , وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة , كما يفعل بمن لبب بردائه , وقبض على تلابيبه.

الثالث: أنه من لب بالمكان , إذا قام به ولزمه. والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب الصحاح.

الرابع: أنه من قولهم: داري تلب دارك , أي تواجهها وتقابلها , أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك. حكاه في الصحاح عن الخليل.

الخامس: معناه حبا لك بعد حب , من قولهم. امرأة لبة , إذا كانت محبة لولدها.

السادس: أنه مأخوذ من لب الشيء , وهو خالصه , ومنه لب الطعام , ولب الرجل عقله وقلبه. ومعناه: أخلصت لبي وقلبي لك , وجعلت لك لبي وخالصتي.

السابع: أنه من قولهم: فلان رخي اللبب , وفي لبب رخي , أي في حال واسعة منشرح الصدر. ومعناه: إني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها , متوجه إليك بلبب رخي , يوجد المحب إلى محبوبه , لا بكره ولا تكلف.

الثامن: أنه من الإلباب , وهو الاقتراب , أي اقترابا إليك بعد اقتراب , كما يتقرب المحب من محبوبه.

و"سعديك": من المساعدة , وهي المطاوعة. ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة. قال الحربي: ولم يسمع"سعديك"مفردا.

و"الرغباء إليك"يقال بفتح الراء مع المد , وبضمها مع القصر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة.

واختلف النحاة في الياء في"لبيك". فقال سيبويه: هي ياء التثنية.

وهو من الملتزم نصبه على المصدر , كقولهم: حمدا وشكرا وكرامة ومسرة. والتزموا تثنيته إيذانا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرا , كقول الشاعر: دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى {ثم ارجع البصر كرتين} وليس المراد مما يشفع الواحد فقط. وكذلك"سعديك ودواليك".

وقال يونس: هو مفرد , والباء فيه مثل عليك وإليك ولديك.

ومن حجة سيبويه على يونس: أن"على"و"إلى"يختلفان بحسب الإضافة , فإن جرا مضمرا كانا بالياء , وإن جرا ظاهرا كانا بالألف. فلو كان"لبيك"كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر , كما قال: فلبي يدي مسور. وقالت طائفة من النحاة: أصل الكلمة لبا لبا , أي إجابة بعد إجابة , فثقل عليهم تكرار الكلمة , فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم , فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة.

وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:

إحداها: أن قولك"لبيك"يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك , ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.

الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم , ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه , ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب , وأنها من قولهم: امرأة لبة , أي محبة لولدها.

الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية , ولهذا قيل: هي من الإقامة , أي أنا مقيم على طاعتك.

الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل , أي خضوعا بعد خضوع , من قولهم. أنا ملب بين يديك , أي خاضع ذليل.

الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص , ولهذا قيل. إنها من اللب , وهو الخالص.

السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى , إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه.

السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله , ولهذا قيل. إنها من الإلباب , وهو التقرب.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت