ـ [عبدالرحمن بن شيخنا] ــــــــ [02 - Oct-2010, مساء 07:42] ـ
الإسعاد
في نقد أحاديث الخضاب بالسواد
بقلم
د. حاكم المطيري
كلية الشريعة - جامعة الكويت
الحمد لله رب العالمين، وصل اللهمَّ وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه دراسة حديثية نقدية للأحاديث الواردة في تحريم الخضاب بالسواد، خاصة حديث ابن عباس مرفوعًا: «يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» ؛ إذ هو من الأحاديث القليلة التي اختلف فيها نظر الأئمة إلى حد التناقض: بين من يحكم له بالصحة على شرط الشيخين، ومن يحكم عليه بالوضع!!
وقد اقتضت دراسة هذا الحديث دراسة شواهده الواردة في هذا الباب، خاصة ما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم في قصة أبي قحافة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «جنبوه السواد» ، وغيره من الروايات التي يمكن ادعاء صلاحيتها في الشواهد.
فجاءت الدراسة شاملة لكل الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، وهي: حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث أسماء بنت أبي بكر.
والله الموفق للصواب.
· حديث ابن عباس: «يكون قوم في آخر الزمان، يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» ( [1] ) .
دراسة الإسناد:
اختلف الأئمة في الحكم على هذا الحديث اختلافًا شديدًا إلى حد التناقض؛ فقد أورده ابن الجوزي في"الموضوعات" ( [2] ) ، وأورده الشوكاني في"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"، وقال: (قال القزويني: موضوع) ( [3] ) ، ولم يتعقبه الشوكاني ولا المحقق الشيخ المعلمي بشيء.
وقد صححه الضياء المقدسي في"المختارة" ( [4] ) ، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده قوي) ( [5] ) . وهو كما قال، إلا أن له علة؛ قال ابن الجوزي: (هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتهم به عبدالكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري) . واستدرك عليه الحافظ ابن حجر فقال: (أخطأ في ذلك؛ فإن الحديث من رواية عبدالكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح) ( [6] ) ، وهو الظاهر، وإن كانت أكثر الروايات قد ذكرت عبدالكريم مهملًا غير منسوب، وقد قال الذهبي: (وقد مات هو - أي ابن أبي المخارق - وعبدالكريم الجزري الحافظ في عام سبعة وعشرين ومائة، واشتركا في الرواية عن سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وروى عنهما الثوري، وابن جريج، ومالك، فقد يشتبهان في بعض الروايات) ( [7] ) .
وعبيد الله بن عمرو الرقي الراوي عن عبدالكريم اشتهر بالرواية عن الجزري وأكثر عنه، وعُرف به ( [8] ) ، فالأصل أنه إذا روى عن عبدالكريم مهملًا أن يكون المقصود هو الجزري لا البصري، وإن كان قد روى أيضًا عن البصريين من طبقة ابن أبي المخارق كما في ترجمته ( [9] ) .
إلا أنه يشكل على استدراك الحافظ أن الطبراني رواه في الأوسط من طريق هشام الدستوائي، عن عبدالكريم أبي أمية، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: «يكون في آخر الزمان قوم يسودون أشعارهم، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة» ( [10] ) .
وعبدالكريم أبو أمية ابن أبي المُخارق، ضعيف من السادسة ( [11] ) .
فالحديث ضعيف، إلا أنه يفيد أن لقول ابن الجوزي وجهًا من أن المهمل هو أبو أمية.
فثبت بهذا الإسناد البصري أن عبدالكريم بن أبي المخارق البصري يروي هذا الحديث، وهشام الدستوائي ثقة حافظ، وقد روى عن عبدالكريم بن أبي المخارق ( [12] ) ، ولم يعرف بالرواية عن عبدالكريم الجزري، كما أن عبدالكريم بن أبي المخارق يروي عن مجاهد ( [13] ) .
فثبت بذلك وجهة ما ذكره ابن الجوزي من أن عبدالكريم هو ابن أبي المخارق، وقد نظرت في رواية عبيدالله بن عمرو الرقي، فإذا عامة الروايات عند تذكر عبدالكريم مهملًا؛ كذا رواه أحمد، وابن سعد، والموصلي، وأبو داود، والنسائي ( [14] ) ، والطبراني، والبيهقي.
وإنما جاء منسوبًا في رواية الطحاوي والبغوي، والظاهر من سياق رواية البغوي أن نسبته استظهار من أحد رواة الإسناد؛ إذ قال: (عن عبدالكريم هو الجزري) فالظاهر أن من نسبه استظهر ذلك؛ لكون الراوي عنه هو عبيدالله بن عمرو لا أنه منسوب في أصل الرواية، إلا أن عبيد الله يروي عن البصريين أيضًا.
(يُتْبَعُ)