فهرس الكتاب

الصفحة 11439 من 27809

ومما يؤيد هذه الرواية عن مجاهد ما رواه معمر في"جامعه" ( [15] ) ، عن خلاد بن عبدالرحمن، عن مجاهد، قال: «يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد، لا ينظر الله إليهم» . مما يؤكد أن للحديث أصلًا عن مجاهد، كما جاء في رواية هشام، إلا أن الصواب وقفه على مجاهد، كما رواه خلاد بن عبدالرحمن، لا وصله ورفعه عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه عبدالكريم بن أبي المخارق فوهم على مجاهد، ولزم الجادة لكثرة ما يرويه مجاهد عن ابن عباس، فظن هذا الحديث منها؟! كما وهم مرة أخرى فرواه عن ابن جبير عن ابن عباس تارة موقوفًا وتارة مرفوعًا؟! ( [16] ) .

وهذا اضطراب من ابن أبي المخارق فيما يبدو؛ فتارة يرويه عن مجاهد عن ابن عباس، كما رواه عنه هشام. وتارة يرويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، كما رواه عبيدالله بن عمرو.

ثم على فرض صحة ما رجحه ابن حجر من أن عبدالكريم هو الجزري، فإن هذا لا يقضي للحديث بالصحة؛ للتالي:

1 -أن الجزري وإن كان ثقة، إلا أنه متكلم فيه، فقد قال عنه يحيى بن معين:"عبدالكريم عن عطاء رديء" ( [17] ) .

وقال عنه يعقوب بن شيبة:"إلى الضعف ما هو، وهو صدوق ثقة" ( [18] ) .

وقال عنه أبو أحمد الحاكم:"ليس بالحافظ عندهم" ( [19] ) .

وقال فيه ابن حبان:"كان صدوقًا، ولكنه كان ينفرد عن الثقات بالأشياء المناكير، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد به من الأخبار، وإن اعتبر معتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير، وهو ممن أستخير الله فيه" ( [20] ) .

وقال عنه ابن عدي:"أحاديثه عن عطاء رديئة". وقال أيضًا:"لعبدالكريم أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم" ( [21] ) .

وهذه الأقوال تقتضي التحري فيما انفرد به من الأخبار؛ إذ ربما حكم الأئمة على حديث الثقة المتفق على توثيقه بأنه منكر، إذا تفرد به ولم يتابع عليه عن إمام من الأئمة الذين جمع الحفاظ حديثهم؛ كقتادة والزهري وسعيد بن جبير ( [22] ) . فمن باب أولى إذا كان الثقة متكلمًا فيه كالجزري، وقد تفرد بهذا الحديث عن كل أصحاب سعيد بن جبير، ثم عن كل أصحاب ابن عباس!! وابن حبان وإن كان متساهلًا في توثيق المجاهيل لقاعدته التي التزم بها في تعريف العدل، فإنه في جرح المعروفين - من الرواة والعلماء المشاهير - ذو نظر بالغ ونقد ثاقب ( [23] ) .

وقد وافقه على تضعيف الجزري مطلقًا أو مقيدًا: يحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة، وأبو أحمد الحاكم، وابن عدي، فلم يتفرد ابن حبان في حكمه هذا، وإن كان أكثرهم تشددًا. وكل ذلك كاف للحكم على الحديث بأنه منكر، وإن كان قوي الإسناد؛ إذ ليس كل ما صح سندًا صح متنًا.

2 -أن عبيد الله بن عمرو الرقي الراوي عن عبدالكريم ثقة ربما أخطأ ( [24] ) ، وقد قال عنه ابن حجر:"ثقة فقيه ربما وهم" ( [25] ) ، ولم يتابع على روايته عن عبدالكريم، ولا عن سعيد بن جبير، ولا عن ابن عباس، ولا عن أحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم!!

وقد قال أبو بكر البرديجي الحافظ: (إن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا) .

قال ابن رجب بعد عبارة البرديجي: (ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبدالله بن دينار) ( [26] ) .

فإذا كان هذا حال ما انفرد به أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أنس في نظر البرديجي، فكيف بما انفرد به عبيد الله بن عمرو عن عبدالكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؟!! لا شك بأنه أحق باسم المنكر.

3 -أنه رواه تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا، وقد رواه ابن الجوزي في الموضوعات بإسناد صحيح عن عبدالجبار بن عاصم عن عبيدالله بن عمرو به، موقوفًا على ابن عباس لم يرفعه ( [27] ) . وعبدالجبار ثقة باتفاق ( [28] ) . وقد أراد ابن الجوزي إعلاله بذلك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت