ـ [خالد الطبلاوي] ــــــــ [18 - Jan-2010, مساء 02:08] ـ
أشرقت الشمس لتشهد نهارًا مختلفًا في تلك البقعة التي تشبه بداية الحياة
نعم إنه عناق النهر و روافده
ولكن عناق اليوم كان أشبه بالصراع بسبب غضبٍ في نفوس الروافد على نهرها، وليس هذا فحسب فقد نقلت إليه غضب المنابع أيضًا في صورة تغير شديد في لون المياه يعكر صفوها وصفاءها حتى اقترب لونها من لون الدم، الكل غاضب من النهر العظيم.
مضت رسالة الغضب حتى وصلت إلى دلتا النهر وفرعيه العظيمين، عندها استدار النهر شيئًا قليلًا مواجهًا روافده متسائلًا متعجبا:
-ما بكم؟ وما سر هذا الهياج؟ ما رأيتكم قبل اليوم في مثل هذا التذمر؟
أشاحت الروافد بوجوهها عنه قبل أن ينطق كبيرها في غضب:
-وأنَّى لك أن تشعر بنا؟ أنَّى لك والناس يحمدونك ويمجدونك صباح مساء؟ الذكر كله لك، أما نحن فلا يذكرنا أحد.
وهنا تدخلت المنابع لتضيف في حنقٍ بالغ:
-حتى وإن ذُكرنا فإنهم ينسبوننا إليك يقولون: منابع النهر، روافد النهر، فيضان النهر
تبسم النهر حتى بدت الابتسامة على صفحة مائه قائلًا:
-وأي ضرر في ذلك؟ ألستم بعضي؟ ألستم مني؟
فصاح كبير الروافد بعد ارتفاع أصوات الروافد والمنابع اعتراضًا:
-فريةٌ أخرى وظلمٌ آخر! أنت صنيعتنا ومع ذلك ننسب إليك.
نحن أصولك أيها النهر العظيم، يبدو أن الثناء قد أفسدك، أنسيت أن ماءك منا ندفعه إليك بعد تسلمه من المنابع؟ فما السر في علو ذكرك وارتفاع شأنك ولا فضل لك علينا بل الفضل منا عليك؟
ظهر التعجب على أمواج النهر وقال:
-سواءٌ عندي أكنت أصلكم أم الفرع، ماذا تريدون من الناس أن يقولوا؟! نهر المنابع؟! ونهر الروافد؟! ونهر الفيضان؟
ثم ارتفع صوته ضاحكًا وأكمل:
-ونهر الماء ونهر الشطآن ونهر السمك ونهر القاع، يا أحبابي إنكم تثيرون العجب، هل سمعتم أحدًا ينسب الشجرة إلى جذرها فيقال شجرة الجذر؟! إن الجميع ينسب إلى الشجرة من الأوراق والثمار والأغصان والجذع والجذور، والكل يكون الشجرة معًا، ولا غنى للشجرة عن أي جزء منها.
ارتجت المنابع بصوت السيول على رأسها غاضبة:
-لا تبعد بنا عن أصل المشكلة، هل تنكر الفضل في مائي الذي أرسله لك عبر الروافد؟ أي قيمةٍ لك بدوننا؟!
تمعن النهر في الكلام مليًا حتى ظنت المنابع والروافد أن الحجة لزمته فإذا به يقول:
-حسنًا فلنكمل الدائرة إذن لننسب إلى كل ذي فضلٍ فضله، أنتم تتفضلون علي بالماء والمطر يتفضل عليكم به والسحاب يتفضل على المطر و البحر يتفضل على السحاب بالبخار والشمس تتفضل بحرارتها على البحر والله ذو الفضل العظيم متفضل على الجميع، ثم إنك أيتها المنابع إنما تدفعين ماءك إلى الروافد لأنك مرتفعة لا تصلحين لتخزين الماء، والروافد تسوقه إليَّ لأنها منحدرة لا تستطيع إمساكه، حتى أنا لا يطيب مائي حتى يتسلمه بعضي من بعضي فيشربه الناس جاريًا عذبًا نميرًا ويسقون منه زرعهم ودوابهم، فما تبقى فإنه لا يبقى مكانه ولكنه يعانق البحر في المصب عناق المحبين.
إن اللسان يا إخوتي حينما ينطق ويتصف بالفصاحة فإنه لا يستأثر بالفضل لأن الذي يثني على اللسان إنما يقصد الجنان الذي حركه وأوحى إليه.
ثم إننا جميعا بل كل المخلوقات هي مجرد وعاء لفضل الله على الجميع، وإني لا أدعي استغنائي عنكم ولا أنكر فضلكم فأنا منكم ولا حياة لي بدونكم فقد خلقنا الله متكاملين.
وهنا انفكت العقدة وتبسمت المنابع والروافد والشطآن والقاع والمصب والماء و طال بينهما العناق وعاد الصفو إلى صفحة النهر ثم هتف الجميع بحبٍ: يعيش النهر