فهرس الكتاب

الصفحة 10656 من 27809

(الثانية) قال أصحاب أبي حنيفة: قول النبي صلي الله عليه وسلم لعليّ: اذا تقاضي إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتي تسمع من الاخر. دليلٌ على أنه لايقضي علي الغائب إذا ادُعِي عليه، وهي إحدي روايتنا في تفصيل لأنه لم يسمع منه، وهذا إنما هو مع إمكان السماع من الآخَر، وأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع القضاء؛ كما لو تعذّر باغماء أو جنون أو حَجْر أو صِغَر، وقد ناقض أبو حنيفة في القضاء في الوديعة علي المودع عنده بالنفقة لزوج المودع، وفي الأخذ بالشفعة.

(الثالثة) خطأ القاضي بعلمٍ لا يُوجِب عليه ضمانًا ولايدركه فيه تعَقُب، وإذا قضي بجهلٍ فحمكه حكم المتعمد في ماله وبدنه، يؤخذ منه القصاص في كل واحد منهما بما يتعلق به، وذلك مذكور في مسائل الخلاف، والتفريغ علي التفصيل فلينظر فيه.

(الرابعة) يجوز للقاضي بل يجب أن يقضي برأيه فيما يقضي فيه اجتهاده، وهو فَرْضُه، ولايجوز له أن يقضي بعلمه، وهي مسألة عظمي في مسائل الخلاف، والأصلُ فيها عندنا الإجماعُ علي أنه لايحكم في الحدود، مِن قبل أن يُحْدِث أصحابُ الشافعي فيه قولًا مخرّجًا، حين رأوا أنها لازمة لهم، وقاعدة المسألة هي المصلحة في نفس التهمة، وزوال الريبة عن القاضي.

(الخامسة) قوله: اذا اجتهد القاضي الحاكم دليلٌ علي أن من صفاته الاجتهاد، وذلك معني يختص بالعلم دون المقلّد، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة يجوز أن يوَلَّى المقلد القضاء، وكذلك رجلٌ علم الحق فقضي به، وهذا ليس بصفة المقلد كما يشهد يقضي. وهذه عمدتهم. قلنا يلزمكم أن يقضي بما عَلِم كما يشهدُ مَن عَلِم. فإن قيل: أليس يقلد الشهود والمقومين؟ قلنا: لأنه جاهلٌ بطريق الشهادة ولاسبيل له الي احصائها، وكذلك التقويم؛ فكانت ضرورة، وههنا لايجوز له أن يجهل طريق الحكم ولايخل عليه طريق الحق، فكان كالمفتي، ومن لايفتي لايقضي بل هذا أولى.

(السادسة) ليس من صفاته أن يكون غنيًا باجماع، وقد قال الله عن بني اسرائيل في طالوت: أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم). والقاضي أبدًا في حكم الشرع لايكون إلاّ غنيا؛ لأن بيت المال له ولأمثاله، فغناه فيه، فلما حبس بيت المال أربابه، واحتاج هو وأمثاله، كان غنى القاضي أفضل من فقره؛ أخبرني أبوبكر الطرطوشي بالمسجد الأقصي طهره الله، قال: لما ولي جدي - يعني لأمه أبوزيد بن الحشا - القضاء بطليطلة، جمع أهلها، وأخرج لهم صندوقا فيه عشرة الاف دينار وأخرج لهم خُلعا من ثيابٍ حسنة، فقال لهم: هذا مالي، فلا تحسبوا ظهور حالي من ولايتكم، ولانمُُو مالي من أموالكم. اهـ

[انتهى - بحمد الله - شرح حديث معاذ في الاجتهاد و القياس، من عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي، للإمام أبي بكر بن العربي المالكي، رحمه الله]

نقله و نََسَخَهُ:

د. أبو بكر عبد الستار خليل

عفا الله عنه و عافاه في الداريْن

[من مكتبة مشكاة الإسلامية ( http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=32&book=5405) ]

نسخة المكتبة الوقفية المصورة pdf، ج 6 ص 68

عن نسخة دار الكتب العلمية، عن الطبعة المصرية القديمة

و أحسب أن هذا الشرح لحديث الاجتهاد غير موجود على هيئة (وورد word ) على شبكة المعلومات؛ لذا كتبته بها؛ تيسيرًا للنَسْخ و النقل و البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت