فهرس الكتاب

الصفحة 10940 من 27809

وممَّن أشار إلى وجود هذه النُّسخة يومًا ببلادنا الحافظ محمَّد بن عبد السَّلام النَّاصري الدِّرعي (1339هـ) قال:"وقد عثرتُ على أصل شيخه الحافظ الصَّدفي الَّذي طاف به في البلاد بخطِّه بطرابلس، في جلدٍ واحدٍ مدموجٍ لا نقط به أصلًا على عادة الصَّدفي وبعض الكتَّاب، إلَّا أنَّ بالهامش منه كثرة اختلاف الرِّوايات والرَّمز إليها، وفي آخرها سماع القاضي عِياض وغيره من الشَّيخ بخطِّه، وفي أوَّله كتابة بخطِّ ابن جماعة، والحافظ الدِّمياطي، وابن العطَّار، والسَّخاوي قائلًا: هذا الأصل هو الَّذي ظفر به شيخُنا ابنُ حجر العسقلاني وبنى عليه شرحه الفتح، واعتمد عليه؛ لأنَّه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها: الحرمين، ومصر، والشَّام والعراق، والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة".

وقال أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد الفاسي في رحلته الحجازية:"وقفت بمحروسة طرابلس على نسخةٍ من البخاري في سفْر واحد ست عشرة كرَّاسة ً، وفي كلِّ ورقةٍ خمسون سطرًا من كلِّ جهة، وكلُّها مكتوبة بالسَّواد،لا حُمرة بها أصلًا".

* * * وإذا كان الشَّيء بالشَّيء يذكر، والمصاب بالمصاب يُقرن، وأعظم المصاب مصابنا برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنَّه ممَّا فُقِد من ثروات تاريخيَّةٍ نادرةٍ ببلادنا الشَّعرةُ المنسوبةُ للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -، وقد أهدتها الدَّولةُ العثمانيَّةُ لهذه البلاد ممَّا آل إليها من آثار النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ببلاد الحجاز، وكانت تملك ثلاثًا وأربعين شعرة وزَّعت منها خمسا وعشرين شعرة على المدن والأمصار واحتفظت بالباقي.

وقد كان من هذه الشِّعرات الموزعة الشَّعرة الكائنة بمسجد عصمان (مسجد الحنفية أو أبو قلاز أو رشيد باشا) ، بمدينة بنغازي، وقد حفظت داخل صندوق مودعٍ بغرفة المسجد في الطَّابق العُلوي، وكان آخر المسؤولين عنها الشَّيخ الصَّالحين الطَّواحني - رحمه الله -.

كانت الشَّعرة تُخرج في المناسبات لا سيَّما مناسبة المولد النَّبوي الشَّريف (بغض النَّظر عن جوازه ومنعه) عند الانتهاء من قراءة السِّيرة النبويَّة العطرة، فيصطف الناسُ صفًّا واحدًا يتقدَّمُهم علماءُ المدينة وأعيانُها ويمرُّون عليها وهي بالصُّندوق الزُّجاجي ظاهرة للعيان فتنهمر الدُّموع، مستحضرةً عظمةَ سيِّد الأوَّلين والآخِرين، وممَّن وقف بذلك الصَّف في سنة (1963م) الرَّئيس النِّيجيري أحمد بْللو، بعد أن كرَّمته الجامعة الليبيَّة (قاريونس) بالدُّكتوراه الفخريَّة يومها.

وفي سنة 1976م تقريبًا غابت هذه الشَّعرة عن الظُّهور، ولم تُعلم يدُ سارقِها وحَار النَّاس في اختفائها، وقيِّدت الواقعة ضدَّ مجهول لتطوى صفحة من تاريخها بمدينة بنغازي، وممَّا يُروى أنَّه حين أبلغ عنها الحاج الصَّالحين الطواحني أخذ الْمُبلَّغُ المسؤول يسأل الحاج الصَّالحينَ (ازْعَمَكْ هي شعرة النبي) فتأسَّف على ضياعها، وزاده غيضًا ألمُ الجهل بها من هذا المسؤول وهِي ما هِيه، وحُقَّ له هذا التأسُّفُ فإنَّ الواجب أن يعْظُمَ عنها البحثُ والتَّقصِّي لا أنْ نتبنَّى منهج التَّشكيك في نسبتها دون أَثَرةٍ من علمٍ أو سَنَدٍ من فهمٍ لتبرير إهمالها وعدم التحسُّر على فقدها.

نعم نوافق بقوَّة على البحث عن حقيقتها، والتَّأكُّد من نسبتها، للوصول إلى الجزم بصحَّتها أو بتلفيقها، فهذا منهجٌ شريفٌ، والمؤمن كيِّسٌ لا يُخْدع، لكنَّ الشكَّ هنا لا ينفي الصحَّة، وما أحسن قول المحقِّق أحمد تيمور باشا في كتابه الآثار النبويَّة ص 78:"لا يخفى أنَّ بعض هذه الآثار محتمل الصحَّة، غير أنَّا لم نر أحدًا من الثِّقات ذكرها بإثباتٍ أو نفي، فالله - سبحانه - أعلمُ بها، وبعضُها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النَّفس فيها من الرَّيب ويتنازعها من الشكُّوك".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت