فهرس الكتاب

الصفحة 11769 من 27809

أمرك بهذا؟ قلت ما أمرني به أحد ولكنّي علمت أنّ الدّنيا مُنقطعة فانية وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه فأحببت أن تدعو الله لي , قال: إنّي فاعل , فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود).

النّظر في الرّوايتين: بيّنت المطوّلة أنّه كان يخدمه بالنّهار واللّيل وأنّه ما سأل إلاّ بعد النّظر والتّفكّر وأنّه لم يسأل النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يُعطيه الجنّة وإنّما سأله أن يدعو الله تعالى له لعلمه أنّ دعاءه مًستجاب والنّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعده بأنّه يفعل ما طلبه منه وهو دعاء الله تعالى له , غير أنّ الرواية المطوّلة فيها أنّه سأل النّجاة من النّار ودخول الجنّة والرّواية المختصرة فيها أنّه سأل مُرافقته له في الجنّة وهي أخصّ من مطلق الدّخول.

الجمع والتّرجيح: كلّ ما في المطوّلة ممّا هو زائد على المختصر غير معارض لشيء فيها فهو مع المختصرة حديث واحد رُوي مطوّلا ومختصرا وإن تفاوتت طريقاه. وما جاء فيها معارضا لشيء في المختصرة وهو سؤال دخول الجنّة المعارض لسؤال المرافقة فإنّنا نأخذ بما في المختصرة ترجيحا لها لقوّة سندها.

توجيه: المرافقة في الجنّة لا تقتضي المساواة في المنزلة والكرامة أصله قوله تعالى (>) ولهذا سألها هذا الصّحابي , ولمّا كان من الملازمين للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الدّنيا توجّهت همّته إلى مرافقته في الأخرى فسأله ذلك.

فوائد الأحكام: في الحديث جواز قبول التبرّع بالخدمة من النّاس وخصوصا لأهل المقامات العامّة في مصالح النّاس وفيه فضل القيام من جوف الليل ــ من قوله آتيه بوضوئه ــ وفيه سُنّة مكافأة المحسن على إحسانه وفيه مشروعيّة سؤال الدّعاء وخصوصا ممّن تُرجى له الاستجابة وفيه عدم الاكتفاء بالدّعاء وحده عن التّوسّل بالطّاعات ونوافل الخيرات وفيه فضل السّجود والحث عليه وفيه دليل لمن يقول بأفضليّة كثرة السّجود على طول القيام.

إرشاد وتحذير: سأل هذا الصّحابي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو له الله ولم يسأله هو أن يُعطيه الجنّة لأنّ الذي يُعطي هو الله تعالى ولأنّ الذي يُسأل منه العطاء هو الله تعالى كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لابن عبّاس فيما رواه (وإذا سألت فاسأل الله) فمن المخلوق تسأل الدّعاء ومن الخالق تسأل العطاء ومن أدلّة الأوّل هذا الحديث ومن أدلّة الثاني حديث ابن عبّاس المذكور , وكثير من النّاس من يسألون ممّن يُعظمون نفس العطاء وخصوصا من الأموات ــ رحمهم الله ــ في قبورهم , فأرشدهم بمثل ما سمعت وحذار أن تكون منهم , الترمذي وقال حسن صحيح.

بيان عقيدة وإبطال ادّعاء: لمّا سأل هذا الصّحابي النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعده بالدّعاء وأرشده إلى العمل الصّالح وهو كثرة السّجود ولم يقل له النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّني ضامن لك ذلك ولا أنت مضمون ولا أنت في ضماني لأنّ العبد لا يجوز له أن يضمن على خالقه بدون إذنه شيئا وإذا كانت الشّفاعة التي هي طلب منه لا تكون عنده إلاّ بإذنه فكيف الضّمان الذي هو التزام على القطع فمن الغرور العظيم والجهل الكبير والجراءة الكبرى على الله تعالى قول بعض المدّعين (روح راك مضمون) وقول آخرين (من دخل دار كذا فهو مضمون) و (أنل ضامنّي الشيخ) و (يا دار الضمانة) ونحو ذلك , ممّا يقوله الجاهلون ويذكره العالمون ويبرأ منه الصّالحون.

حقيقة نفسية: العبد بين داعيين مُختلفين دينه يدعوه إلى الحسنى وينهض به للعلاء ونفسه تدعوه إلى السّوأى وتنحطّ به إلى الحضيض , ولا ينحطّ المسلم عن مقامات الكمال إلاّ بإجابته داعي نفسه وإعراضه عن داعي دينه فالنّفس هي الجاذب القوي إلى دركات الانحطاط , ولمّا كان دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لهذا الصّحابي سببا في رفع درجاته وكانت نفسه إذا خلاّها على هواها مانعة له من ذلك الرّفع فصار الدّعاء النّبوي والنّفس الأمّارة كالمتنازعين فيه ــ أمره بأن يُعينه على نفسه بكثرة السّجود , ولم يقل له أعنّي على مطلوبك أو تحصيل مُرادك بل قال له أعنّي على نفسك , وفي هذا تنبيه له على أنّ النّفس هي المعرقلة للعبد عن الصّعود في سلّم السّعادة وأنّه إذا قهرها وغلبها فقد تيسّرت له أسباب الكمال.

(الصّراط السّوي العدد العاشر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت