أخشى أن يكون عدم تصوركم وقوع الإجماع في الصورة المذكورة مبني على تصور واقع معين لبعض العمليات ربما لم تقيد بما يسوغها عند الكاتب ولم نقرأ قيوده لجوازها بعد. وإلاّ فلعل بعض المداهمات والطلب قد يتصور فيها ما ذكر.
هذا ولم يخف أن التعبير بالضرر (( قد ) )يكون أوسع من التعبير بالضرورة، وإن كان التعبير بالضرورة لاينحصر في تمثيل الغزالي رحمه الله في المستصفى، فقد بالغ فيه وهو لاينفي دون ما صوره في قوله: غلبوا على دار الإسلام .. قتلوا كافة المسلمين .. سلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسرى أيضًا .. فهذا التصوير خرج مخرج التوضيح بذكر أجلى الصور وأبينها، وإلاّ فلا أخال أحدًا يخالف في بعض دون ما صور الغزالي.
وللموازنة في دون ما ذكر مجال واسع.
ولايخفاكم أن مسألة التترس طرفان ووسط، فمن الفقهاء من قال بجواز رمي المسلمين المتترس بهم وإن لم يخف المسلمون مغبة ترك رميهم لأجل الخلوص إلى الكفار، وهذه محل خلاف نقله شيخ الإسلام -أظن في الثامن والعشرين- وغيره من أهل العلم ولأصحابه أدلة تستحق النظر، فقول الغزالي: وليس في معناه ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لايحل رمي الترس إذ لا ضرورة، ينبغي أن ينتبه فيه إلى ثلاثة أمور:
الأول: هو قيد انعدام الضرورة بأمر مهم بعدها وهو قوله: إذ لم نقطع بظفرنا بها.
والثاني: أن هذا مخالف فيه إجمالًا.
الثالث: أن الضرورة متعلقاتها بالضروريات الخمسة، وليست راجعة إلى نفوس المقاتلة فحسب، بل ليست راجعة إلى ضروريات المقاتلة الخمسة فحسب دون غيرهم من المسلمين، فلينتبه لهذا.
أما مقام الخوف على المسلمين أن يصبهم ضرر معتبر، فهذا محل الاتفاق، وهذا يتصور في حال الدفع لا الطلب غالبًا.
ولهذا فإن نقل شيخ الإسلام للإجماع دقيق فيما أحسب-والجماعة إذا اتفقوا عند الأصولين يقال أجمعوا، ولهذا ينصون على أنه اتفاق ... فنقل الاتفاق ما لم يقيد لايراد به غير الإجماع-.
وقد قرر ابن القيم في مفتاح دار السعادة كما لايخفاكم أن مدار الأمر في هذه المسألة على موازنة المصالح والمفاسد، ولاشك أن بعض الصور يتمحض فيها ظهور المصلحة من المفسدة، وفي بعضها تكون محل التباس واشتباه.
ـ [ابو قدس الجزائري] ــــــــ [01 - Apr-2007, صباحًا 02:37] ـ
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل على الموضوع الرائع ... قرأت المطوية و استفدت كثيرا منها ... فجزاك الله خيرا
ـ [أبو عبدالله النجدي] ــــــــ [01 - Apr-2007, مساء 02:08] ـ
أخي الشيخ الحبيب ـــــ رعاه الله
ليس الباعث توسع المعاصرين في التطبيق والتنزيل، بل توسع بعض طلاب العلم في التأصيل والتنظير، وإلا فإن كثيرًا من الفقهاء يقيدون الجواز بقيودٍ يتعسر وجودهأ إن لم يتعذر، فيأتي بعض الإخوان ويطلق الجواز، أو يكاد، فإذا انضم إلى ذلك دعوى الإجماع كان إبعادًا للنجعة.
وكلامكم عن الضرر جيد مهم، وفقني الله وإياك.
والمسألة ذات شجون، والبحث جيد في جملته، وفي توثيقه، وفي أدبه العلمي،،،
جزاك الله خيرًا على النقل، ولا حرمنا فوائدك.
ـ [حارث الهمام] ــــــــ [01 - Apr-2007, مساء 08:23] ـ
شكر الله لكم وأوافقكم فيما ذكرتم ولاسيما دعوى الإجماع أو القياس على إجماع، قد لايسلم فيه بصحة أصل، ولافرع على فرض ثبوت الأصل.
ـ [طلال] ــــــــ [14 - Apr-2007, مساء 01:32] ـ
جزاك الله خيرًا أخي العزيز حارث همام، ونفع الله بك.
قرأت ما كتبت، واستفدت منه كثيرًا، ويدل على حسن نظر وتذوق في الفقه وترّفق بالآخر.
ورحم الله الامام ابن تيمية حين قال في الصارم المسلول ص913:
وذوق الفقه ممن لجّج فيه شيءٌ، والكلام على حواشيه من غير معرفة أعيان المسائل شيءٌ آخر. ا.هـ
وما كان لله سيبقى.
دمتَ موفقًا مسددًا.