قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: المبيعات على ضربين طعام وغير طعام، فالطعام يباع على وجهين: أحدهما: على وجه يلزم فيه حق التوفيه وذلك بأن يكون على كيل أو وزن أو عدد، والآخر جزافا مصبرا، فالقسم الأول لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان معينا أو في الذمة ...
وأما ما ابتيع من الطعام جزافا أو مصبرا فيجوز بيعه قبل نقله إذا خلى البائع بينه وبينه.
وما عدى الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال أو يوزن، وما لا يكال ولا يوزن كان عينا معينة أو سلما مضمونا في الذمة فبيعه قبل قبضه جائز في الجملة بخلاف الطعام ما لم يعرض في العقد ما يمنع منه.
ثالثا: مذهب الشافعية:
قال في المهذب: ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجازة والصداق وماأشبهها من المعاوضات قبل القبض، لما روي أن حكيم بن حزام قال يا رسول الله إني أبيع بيوعا كثيرة فما يحل لي منها مما يحرم قال: (لاتبع ما لم تقبضه) ولأن ملكه عليه غير مستقر لأنه ربما هلك فانفسخ العقد، وذلك غرر من غير حاجة.
فلم يجز وهل يجوز عتقه؟ فيه وجهان: أحدهما أنه لايجوز لما ذكرناه والثاني يجوز لأن العتق له سراية فصح لقوته.
فأما ماملكه بغير معاوضة كالميراث والوصية أو عاد إليه بفسخ عقد فإنه يجوز بيعه وعتقه قبل القبض، لأن ملكه مستقر فجاز التصرف فيه كالمبيع بعد القبض.
وقال النووي في المنهاج: ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه، والأصح أن بيعه للبائع كغيره، وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع، وأن الإعتاق بخلافه، والثمن المعين كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه
رابعا: مذهب الحنابلة:
قال في الروض المربع شرح زاد المستقنع: ومن اشترى مكيلا ونحوه وهو الموزون والمعدود والمذروع صح البيع، ولزم بالعقد ولم يصح تصرفه فيه ببيع أو هبة أو إجارة أو رهن أو حوالة حتى يقبضه ... وما عداه، أي ما عدى ما اشتري بكيل أو وزن أو عد أو ذرع كالعبد والدار يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه.
وفي المغني ذكر ابن قدامة رحمه الله ما يحتاج فيه إلى القبض من نحو المكيل والموزون ثم قال: وأما غير ذلك، فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين، ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب، والحكم، وحماد، والأوزاعي، وإسحاق.
وعن أحمد رواية أخرى، لا يجوز بيع شيء قبل قبضه، اختارها ابن عقيل.
وروي ذلك عن ابن عباس.
وممن اختار هذه الرواية الأخرى شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وجعلها طريقة الخرقي وغيره، وقال عليه تدل أصول أحمد كتصرف المشتري في الثمرة والمستأجر في العين،وكذلك اختار هذه الرواية عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ ابن باز وابن عثيمين.
المسألة الثانية أدلة المانعين من بيع ما عدا الطعام قبل قبضه
الدليل الأول: حديث (لا تبع ما ليس عندك)
وقد ورد هذا اللفظ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ومن حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه
ولفظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم تضمن ولا بيع ما ليس عندك)
أما لفظ حديث حكيم: قال حكيم: يا رسول الله إني أبيع بيوعا كثيرة فما يحل لي منها مما يحرم؟ قال: لا تبع ما لم تقبضه).
وأجيب عنه بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن حديث حكيم بن حزام روي بألفاظ مختلفة بعضها فيه النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وبعضها فيه النهي عن مطلق البيع قبل قبضة، والأرجح أن المنهي عنه هو الطعام لا مطلق البيع. قال ابن عبد البر: وأما حديث حكيم بن حزام عن النبي صلى الله لعيه سولم أنه قال (إذا ابتعت بيعة فلا تبعه حتى تقبضه) فإنما أراد الطعام بدليل رواية الحفاظ لحديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تقبضه)
الجواب الثاني: أن حديث حكيم بن حزام قد ضعفه بعض أهل العلم كابن القطان في بيان الوهم والإيهام
الجواب الثالث: أن حديث حكيم بن حزام موقوف من قول عمر لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، يظهر ذلك من التخريج.
(يُتْبَعُ)