فهرس الكتاب

الصفحة 12909 من 27809

وضع تعريف للمقاصد. وأما لو سئل عن سبب غياب التعريف المعيّن للمقاصد عبر القرون السابقة , فلعلّ السبب الذي دفع إليه هو وضوح معانيها عند علمائها ومن حولهم من أهل العلم [16] . وعلّق أحمد الريسوني حين تكلم عن سبب احجام الشاطبي عن وضع تعريف اصطلاحي للمقاصد - رغم اعتراف الجميع بعظم شأن كتابه في علم المقاصد - بقوله"ولعله اعتبر الأمر واضحا ويزداد وضوحا بما لا مزيد عليه بقراءة كتابه المخصص للمقاصد من"الموافقات"ولعل ما زهده في تعريف المقاصد كونه كتب كتابه للعلماء , بل للراسخين في علوم الشريعة .." [17]

وعلى كل , وقد حاول كثير من الباحثين اختيار أحسن تعريف للمقاصد اصطلاحيا , وقد عرضوا تعبيرات الفقهاء السابقين والتعاريف المطروحة من المعاصرين وناقشوها من أجل هذا الإختيار والبحث عن الأفضل. ولا يقتصر الغرض الملموس على حسن الاختيار فحسب بل اتجهوا إلى تمييز كلمة"مقاصد"عن الألفاظ المتقاربة و تحديد ما يدخل من معانيها وما يخرج منها اجتنابا للإلتباسات على القارئين وطلاب العلم المبتدئين والمتوسطين.

وفيما يلي بعض إشارات العلماء القدامى - فيما يتعلق بالمقاصد- التي أثرت على تعريفات المعاصرين: 1) يقول أبو حامد الغزالي [18] :"أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة ودفع مضرة , ولسنا نعني به ذلك , فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق , وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم , لكن نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع , ومقصود الشارع من الخلق خمسة وهو: أن يحفظ عليهم دينهم , ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم ... وكل ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة" [19] 2) والعز بن عبدالسلام [20] عندما عبر عن سبب تأليف قواعد الأحكام في مصالح الأنام يشير إلى جزء من معنى المقاصد , حيث قال"فصل في بيان مقاصد هذا الكتاب: الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات لسعي العباد في تحصيلها , وبيان مفاسد المخالفات ليسعى العباد في درئها ... والشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد وتجلب مصالح , فإذا سمعت الله يقول (( يا أيها الذين آمنوا ) )فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيرا يحثك عليه أو شرًا يزجرك عنه أو جمعًا بين الحث والزجر" [21] قد حاول الباحث حسام إبراهيم حسين في رسالته للحصول على درجة الماجستير بوضع تعريف خاص للمقاصد عند الشيخ - بعد تتبع نصوص الشيخ على ما أعتقد- ووصل إلى تعريف وهو"جلب المصالح وأسبابها للخلق , ودرء المفاسد وأسبابها عنهم في الدارين أو الجمع بين الأمرين" [22] 3) وعرفها سيف الدين الآمدي [23] بأنها"المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة , أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين بالنسبة إلى العبد .... وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة , فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة" [24] 4) وعرفها ابن تيمية [25] بأنها"الغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته سبحانه , وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة التي تدل على حكمته البالغة" [26] . وقد استقرأ يوسف أحمد البدوي في رسالته لنيل درجة الدكتوراة نصوص الشيخ وجمع تعبيراته المتعلقة بالمقاصد - من مختلف مؤلفاته - وانتهى إلى تعريف بصياغته ومضمون كلام الشيخ وهو:"الحِكم التي أرادها الله من أوامره ونواهيه لتحقيق عبوديته وإصلاح العباد في المعاش والمعاد. [27] 5) ويقول الشاطبي [28] :"إذن ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية ... الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق , فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال" [29] وإذا تأملنا النقول السالفة الذكر يمكننا أن نقرّر من خلالها أمرين هامّين كالآتي: 1 - لقد اتجه العلماء السابقون اتجاها متقاربا , وذلك , في تحديد قصد الشارع من تشريع الحكم مما يدلّ على اتحادهم في فهم المعنى المراد بالمقاصد , إذ ركّزوا على نقطة رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم في الدارين باعتباره المحور الأساسي للمقاصد الشرعية , وقد يطلق على هذين الأمرين"بالغايات المحمودة"بدون التصريح والتفصيل.2 - كما اتجه السابقون إلى إثبات أن للأحكام الشرعية حِكمًا وغاياتٍ سواء أكان"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت