الزكاة في ماله, أو ممن يتطلع الفقراء لحاله!! حتى إن هذا المستكثر- لا كثر الله أمثاله- ربما أعطاه المزكي أقل مما كان يعطيه في السنوات الماضية, فتراه يزبد ويرعد حتى يظفر بحصته التي تعود على تحصيلها كل عام, بل إن بعض هؤلاء لو رده المزكي لرفع بأعلى صوته: أعطني عادتي!! وهكذا تتحول الزكاة في نظر هذا وأمثاله إلى عادة, أو (شرهة!!) , وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا السلوك المنحرف بقوله: (من يسأل الناس أموالهم تكثرًا, فإنما يسأل جمرًا, فليستقل أو ليستكثر!) ومنع المزكي من توزيع الزكاة بهذه العشوائية, فقال عليه الصلاة والسلام عن الزكاة منبهًا: (لا حظ فيها لغني, ولا لقوي مكتسب) وأغلب اللوم لا يقع على الشحاذين الذين امتهنوا هذه المهنة, واستساغوا هذه الحرفة, ولكن اللوم والعتب على ذاك الذي يبعثر الزكاة يمنة ويسرة دون تحرٍ, فلم يستنفر طاقته, ولم يبذل جهده, ليصل إلى الفقير المتعفف, والمسكين الذي لا يسأل الناس إلحافًا, ولكنه وفر على نفسه هذا العناء, وحفظ عليها هذا الجهد, طلبًا للكسل والخمول, فاكتفى بما لديه من أسماء في قوائم بالية أكل عليها الزمن وشرب, حتى إن بعض الأسماء لأفراد قد ودعوا الفقر, أو قد وسدوا القبر!! فلم يكلف هذا الغني نفسه - أو من وكله في إخراج الزكاة - للتأكد من واقع حال الأسماء المضافة في القائمة سيئة الصيت, وظل كل عام يوزع الزكاة على هؤلاء المتجمهرين, أو وكلائهم بالنيابة! ناهيك عما يقع في نفس هذا المزكي من حظوظ خفية, تنتشيها هذه الجموع التي تحتشد حول فناء داره أو قصره, وتتدافع وربما تقتتل عند بابه, فإذا كان قطاع عريض من أثريائنا على هذا النحو, فكيف إذًا ستكون زكاة أموالنا سببًا في حل مشكلات فقرائنا والمعوزين منا؟!!
*الأستاذ في المعهد العالي للقضاء