{تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] والإخفاء مطلوب في الدعاء إلا إذا كان ثمة من يؤمن على هذا الدعاء, ثم إن هذا الرفع إذا احتيج إليه لوجود من يؤمن على هذا الدعاء فلا ينبغي أن يكون رفعًا زائدًا, سواءً كان ذلك من جهة الداعي, أو من جهة المؤمن على هذا الدعاء؛ لأن المؤمن داعٍ, وأما رفع الأصوات رفعًا زائدًا، والضجيج في المساجد, ورفع المأمومين الصوت بالتأمين رفعًا زائدًا فهذا أمرٌ يتنافى مع الأدب مع الله -عز وجل-، ويتنافى مع قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] ولما رفع الصحابة -رضي الله عنهم- أصواتهم رفعًا زائدًا في كل مكان يرتفعون عليه، أو ينخفضون؛ بالتكبير والتسبيح ونحو ذلك, قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا أبكمًا ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا, إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) ) [1] , أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، ثم قال الله -عز وجل-: {إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55] و (إنَّ) هنا مشعرة بالتعليل، وهي تدل على التوكيد, وهذا يدل على أن رفع الأصوات من غير حاجة أنه من الاعتداء في الدعاء, وأن الدعاء بأسلوب يتنافى مع الأدب مع الله -عز وجل- من غير ضراعة أن ذلك يعد من التعدي في الدعاء.
أنواع الاعتداء في الدعاء:
ويدخل من ألوان التعدي تحت قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [ (55) سورة الأعراف] شيءٌ كثير, فمن ذلك:
1 -ما يفعله بعض الناس من سرد الأسماء الحسنى, أو ما يحفظونه من الأسماء الحسنى, فيسردون عشرات الأسماء الحسنى, ويتكلفون لكل اسم دعاء في القنوت مثلًا, وتبقى المسألة فرجة يجتمع حتى من لا يصلي عند المسجد في وقت الدعاء -ببعض البلاد- ثم يستمعون إلى هذا المهرجان, فهذا أمرٌ لا يليق.
2 -وكذلك ما يفعله بعض الناس في دعائهم حيث أنهم يحولون الدعاء إلى موعظة, فيذكرون ما يستجيش المشاعر, فيتحدثون عن القبور وعن الدود, وعن التراب واللحود, وإذا سالت العيون, وسكنت الجفون, وأشياء كثيرة جدًا يحركون بها القلوب والمشاعر، فالدعاء ليس موعظة، وإنما هو سؤال وتضرع, وافتقار إلى الله -تبارك وتعالى-، وليست المسألة ذوقية أو مزاجية حتى تعجب الناس، المسألة دين وشرع، أنت تريد أن يستجاب هذا الدعاء فلا تعتد فيه.
3 -ومن ذلك أيضًا أن الإنسان أحيانًا لربما تكلف في الدعاء أمورًا لا ينبغي أن يتكلفها, كأن يذكر تفاصيل زائدة: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا, وإخواننا وأخواتنا, وأعمامنا وعماتنا, وأجدادنا وجداتنا, .. إلى آخره, ويسرد الجيران وغيرهم و .. و ... إلخ، فهذا لا يليق.
ثبت عن عبد الله بن المغفل -رضي الله عنه- أنه سمع ابن له يقول:"اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة"فبين له حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيأتي قوم يعتدون في الدعاء, وقال له:"يا بني سل الله الجنة" [2] فإذا دخلت الجنة فاسأل الله القصر الأبيض أو غيره.
وكذلك دنو الهمة, وقد سمعت بعض العجائز تقول:"اللهم أدخلني في صاير الجنة"وصاير الجنة في لهجتها أي في مؤخرة الباب في المكان الذي يغلق فيه الباب من الخلف, فهذا دنو همة ولا يليق، وفضل الله أوسع، وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فينبغي للإنسان أن يرفع همته، والله هو الكريم الأكرم, والعظيم الأعظم.
وكذلك تعليق الدعاء بالمشيئة:"اللهم أدخلني الجنة إن شئت"فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك, وهكذا كأن يسأل ربه أمرًا ممتنعًا في العادة, كأن يقول: اللهم ارزقني الولد من غير أن يتزوج, أو أن يسأل أمرًا يمتنع شرعًا كأن يدعو لأحد من الكفار أن يدخله الله الجنة, فالجنة محرمة على الكافرين, أو أن يدعو على أحد من المسلمين أن لا يدخله الله الجنة, فهذا أمرٌ لا يكون؛ لأن الله وعد المؤمنين بالجنة, فهذا من الاعتداء في الدعاء.
4 -ومن ذلك الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم.
5 -ومن ذلك أن يعجل الإنسان في دعائه فيقول:"دعوت فلم يستجب لي"فهذا من أسباب رد الدعاء, وهو سوء أدب وسوء ظن مع الله -تبارك وتعالى-.
(يُتْبَعُ)