فهرس الكتاب

الصفحة 15675 من 27809

وقد احتج الحنفية لقولهم وهو القصر في مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بسير الأقدام الوسط كل يوم إلى الزوال، قالوا وهذا مروى عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما وذلك لقول الرسول (ص) (يمسح المقيم يوما والمسافر ثلا ثة أيام بلياليها) (4) ما لهم حجة غير هذا وهو باطل من وجوه:-

الأول أن ابن مسعود قد صح عنه القصر على أربعة فراسخ

الثانى أنه لوصح عنه القصر على ثلاثة أيام فقد خالفه جمع من الصحابة بروايات جمة أسلفناها

الثالث أن الحديث الذى احتجوا به ليس فيه أن من خرج أقل من ثلاثة أيام ليس مسافرا خاصة وأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن سفر المرأة يوما وليلة إلا مع ذى محرم (5) وورد النهى عن ليلتين (6) وصح عن ثلاثة (7) فهلا جعلوا القصر على يوم وليلة أو ليلتين بدلا من ثلاثة أيام بلياليها

فإن قالوا نأخذ بالعموم والأعم هو ثلا ثة أيام بلياليها قلنا لهم قد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نهى المرأة عن السفر المطلق فقال (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم) (8) فهذا نص جلى ليس مقيدا بيوم ولا يومين ولا ثلاثة ولا بساعة ولا بعشرة ولو امتد السفر شهرا فهلا أخذوا بهذا الحديث فسقط ما احتجوا به والحمد لله كثيرا

وعن الشافعي لاقصر إلا في ستة وأربعين ميلا وعن مالك مثله ولكن وردت عنه ثلاث روايات خمسة وأربعين واثنين واربعين واربعين ميلا وعن أحمد مثل قولهما، وما نعلم لهم حجة يحتج به لتغاير الروايات عن الصحابة

وقد كفانا ابن حزم مؤنة الرد علي الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم فقال: (أما من قال بتحديد ما يقصر فيه بالسفر من أفق إلى أفق وحيث يحمل الزاد والمزاد وفى ستة وتسعين ميلا وفى اثنين وثمانين ميلا وفى اثنين وسبعين ميلا وفى ثلاثة وستين ميلا أوفى أحد وستين ميلا أو ثمانية وأربعين ميلا أو خمسة وأربعين ميلا أو أربعين ميلا أو ستة وثلاثين ميلا فما لهم حجة أصلا ولا متعلق لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قياس ولا من رأى سديد ولا من قول صاحب لا مخالف له منهم وما كان هكذا فلا وجه للاشتغال به، ثم نسأل من حد ما فيه القصر والفطر بشيء من ذلك عن أى ميل هو ثم نحطه من الميل عقدا أو فترا أو شبرا ولا نزال نحطه شيئا فشيئا فلابد له من التحكم في الدين أو ترك ما هو عليه فسقطت هذه الأقوال جملة والحمد لله رب العالمين) (9)

كما اعترض الإمام أبو القاسم الخرقى على ما ذهب إليه الأئمة الأربعة فقال: (ولاأدرى لما صار إليه الأئمة حجة لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف وقد روى عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذى ذكروه لوجهين الأول: أحدهما أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها ولظاهر القرآن لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض لقوله(وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية فبقى ظاهرا لآية متناولا كل ضرب في الأرض، ... والثانى أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما ليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه ويستوى في ذلك السفر في الطائرة أو القاطرة كما يستوى سفر الطاعة وغيره ومن كان عمله يقتضى السفر دائما مثل الملاح والمكارى فإنه يرخص له القصر والفطر لأنه مسافر حقيقة)

هوامش

ـــــــــــ

(1) أنظر: كتاب صلاة المسافرين من صحيح مسلم رقم 1116، ومسند الكثرين من مسند أحمد رقم 11864، وكتاب الصلاة من سنن أبى داود رقم 1015، وإتمام صلاة المغرب من سنن البيهقى برقم 5232.

(2) أنظر: كتاب الجمعة من صحيح البخارى رقم 1027، وصلاة المسافرين من صحيح مسلم رقم 1114، وكتاب الجمعة من سنن الترمذى رقم 501، والصلاة من سنن النسائى رقم 465، والصلاة من سنن أبى داود رقم 1016، والمناسك من سنن ابن ماجة رقم 2960، باقى مسند الكثرين من مسند أحمد رقم 14510، والصلاة من سنن الدارمى رقم 1480.

(3) أنظر: هذه الأقوال في المحلى، 3/ 202، 203.

(4) الحديث أخرجه مسلم في الطهارة بإسناد صحيح رقم 414، والنسائى في الطهارة برقم 129، وابن ماجة في الطهارة برقم 545، وأحمد في مسند العشرة برقم 741، والدارمى في الطهارة برقم 708، والبيهقى في سننه برقم 1206، وابن أبى شيبة برقم 1866، وابى نعيم في المسند المستخرج برقم 633، وابن حبان في صحيحه برقم 1330، وابن خزيمة في صحيحه برقم 194.

(5) أخرجه البخارى في الجمعة رقم 1026، ومسلم في الحج رقم 2386، والترمذى في الرضاع رقم 10904، وأبى داود في المناسك رقم 1465، وابن ماجة في المناسك رقم 2890، وأحمد في باقى مسند المكثرين رقم 7107، ومالك في الجامع رقم 1550.

(6) أخرجه البخارى في الجمعة برقم 1122، ومسلم في صلاة المسافرين رقم 1368، والنسائى في المواقيت رقم 5630، وابن ماجة في إقامة الصلاة رقم 1239، وأحمد في باقى مسند المكثرين رقم 11464، والدارمى في الصوم رقم 1688.

(7) أخرجه البخارى في الجمعة رقم 1024، وسلم في الحج رقم 2381، وأبى داود في المناسك رقم 1467، وأحمد في مسند الكثرين رقم 6008.

(8) أخرجه مسلم في الحج رقم 2391 واللفظ له، وأخرجه البخارى في النكاح رقم 4832.

(9) أنظر: المحلى، 3/

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت