بل تزوج هو ورغّب فيه، فما لأحدٍ أن يتنزه عن فعل فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتقى الناس و أخشاهم لله و أعلمهم بمحبوباته و مكروهاته، و أوقفهم عند حدوده، ومن خالف سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتنكّب طريقته، ودعا إلى غير سبيله، فقد ضلّ ضلالا مبينا.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
أحبّ للرجل والمرأة أن يتزوجا إذا تاقت أنفسهم إليه، لأن الله تعالى أمر به ورضيه و ندب إليه، وبلغنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط)
وقال صلّى الله عليه وسلّم: (من أحب فطرتي فليستنّ بسنتي، ومن سنّتي النكاح) .
وقد فقِهَ الصحابة هذا المنهج الذي دلهم عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان أحدهم يُفقّه غيره بهذا الفقه، ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوّجتَ؟ قلت: لا، قال: تزوج، فإن خير هذه الأمة كان أكثرهم نساء، يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقال إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاوس: لتنكحنّ أو لأقولنّ لك ما قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
وفقه العلماء الأعلام هذا المنهج فسلكوه ورغبوا في اتّباعه و أنكروا على من حاد عنه.
يقول الإمام أحمد رحمه الله:
"ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي صلّى الله عليه وسلّم تزوج أربع عشرة امرأة، ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج كان قد تمّ أمره كلّه، لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجّوا، ولم يكن كذا ولم يكن كذا، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصبح وما عندهم شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه وينهى عن التبتّل، فمن رغب عن فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم فهو على غير حقّ، ويعقوب عليه السلام في حزنه تزوّج و وُلِِد له ولد، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: حُبّب إلى النكاح".
مقاصد النكاح وغاياته
شرع الله النكاح لعباده ووضع لهم الأحكام والضوابط التي تنسجم مع الفطرة والعقل السليم وذلك حتى تتحقق مقاصد وغايات كثيرة منها:
1)تحقيق عبودية الله تعالى بتوحيده:
وقد فهم السلف رضوان الله عليهم هذا المعنى الجليل، فتجد أحدهم لا همّ ولا غاية له في الزواج مقدمةً على غاية تحقيق العبودية لله تعالى، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إني لأكره نفسي على إتيان امرأتي رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده".
2)المحافظة على النوع الإنساني:
لأن بالتزاوج يتكاثر البشر وتمتد حياتهم فوق ظهر هذه الأرض، قال الله تعالى: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء) [النساء 01]
وقال: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) [النحل 07]
3)تكثير الأمة وحفظها من الزوال والإذلال:
ولذا قدّم كثير من العلماء أحكام الزواج في مؤلفاتهم على أحكام النكاح، لأن الجهاد و إن كان سببا لحفظ حوزة الإسلام والمسلمين، إلا أن النكاح هو الذي تتكاثر به الأمة الإسلامية، وهو الذي يوجد به الرجال المجاهدون الذين يحفظون الديار، ويقومون بواجب العبودية لله رب العالمين، وقد قرر كثير من أهل العلم أن"الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات"أي الاشتغال به لما يشتمل عليه من القيام بمصالحه، و إعفاف النفس عن الحرام وتربية الولد، و نحو ذلك.
4)سلامة المجتمع من الانحراف الخلقي:
لأنه هو السبيل الأمثل لإعفاف كل واحد من الزوجين نفسه وإحصانها حتى لا تقع في الفاحشة، و لا يسلك مسلكا خاطئا في قضاء الشهوة، واستمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر بما أحل الله عز و جل وفي الحديث (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) [رواه مسلم وغيره]
وفي كتاب الله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) [النساء 21]
وهذا الاستمتاع الذي يتحقق به قضاء الشهوة عند كل واحد من الزوجين فيه إشباع للغريزة وتحقيق للفطرة وتحصيل للسكون النفسي وهو ضروري للإنسان، لأن الله تعالى خلق الذكر والأنثى، وركز في كيان كل واحد منهما الميل إلى الآخر، والذي يعاند هذا الميل الفطري يحمل نفسه رهقا، ويسبب لها عنتا، وعندما تغاب الفطرة فإنها في النهاية تغلب من يعاندها.
إن التوتر الذي يصيب كل من الرجل والمرأة عندما يفكر أحدهما في الآخر ليس سبيله الكبت الذي يولد الانفجار، ويكون عامل تدمير للأفراد والمجتمعات، وليس سبيله أن نطلق للشهوات العنان بغير حدود ولا قيود، ولكن السبيل لذلك هو إقامة العلاقة السّوية التي تُشبع الفطرة وتروّيها بالطريق القويم الذي يعمّر ويثمر ولا يدمّر ويخرّب، وهذا السبيل هو الزواج.
ــــــــــــــــــــــ
1 -وصف للأنثى، وهو أن تكون غير محرمة النسب أو رضاع أو مصاهرة إذ لا يصح العقد عليها.
2 -أي لا يصح العقد على مجوسية، وذلك لو أسلم وتحته مجوسية فإنه يفسخ نكاحها ولا يُقرّ عليها ما دامت مجوسية و أما الكتابية فلا يمنع العقد عليها.
والمحرم والمجوسية المانع فيهما أصلي، بخلاف المبتوتة والمعتدّة من الغير والمحرمة بحج أو عمرة أو من لاعنها زوجها، فإن مانعهن عرضي.
3 -الباءة: قال الخطابي في معالم السنن 3/ 3: الكناية عن النكاح، وأصل الباءة الموضع الذي يأوي إليه الإنسان.
4 -الوجاء: رضّ الأنثيين، والخصاء نزعهما.
5 -التبتل: الإنقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعا إلى عبادة الله تعالى.
6 -العنت:الوقوع في الزنا.
(يُتْبَعُ)