وقد عزا ابن قدامة هذا القول إلى عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص، و به قال شريح وعمر ين عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس و الأوزاعي وإسحاق، وذكر ابن رشد أن لزوم الشرط هو ظاهر ما وقع في العتبية، وإن كان المشهور عند المالكية خلاف ذلك.
2)وذهب الجمهور إلى بطلان هذه الشروط، وعزا ابن قدامة القول ببطلانها إلى الزهري وقتادة وهشام بن عروة ومالك والليث والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي.
وعزاه ابن عبد البر أيضا إلى علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وهشام ابن هبيرة والشعبي وإبراهيم النخعي.
وسبب اختلافهم في المسألة أمران:
الأول: اختلافهم في الشروط في العقود هل الأصل فيها الحظر أم الإباحة.
والذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأصل في العقود والشروط الحل وعدم التحريم لأنها من باب الأفعال العادية، فيستصحب فيها عدم التحريم حتى يدل الدليل على التحريم.
الثاني: اختلاف أهل العلم في فقه قوله صلى الله عليه وسلم: (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، شرط الله أحق وأوثق)
والقول الراجح في المسألة هو صحة الشروط الجائزة في عقد النكاح ويدل على صحة هذا القول أمور:
1)قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) [البخاري 5151]
وهذا يدل على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منها في البيع.
قال ابن حجر في شرحه:"أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح، لأن أمره أحوط وبابه أضيق."
2)النصوص التي أجازت مثل هذه الشروط في غير النكاح، فالعقود باب واحد، وفي كتب السنة عدة أحاديث ثبت فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز فيها الاشتراط في العقود، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) [البخاري 2717]
فلو كان الشرط لا يصح فإن المبتاع لا يجوز له اشتراط الثمر، وروى البخاري (2718) "أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه باع للرسول صلى الله عليه وسلم جمله الذي كان يركبه، وشرط ظهره إلى المدينة"ولو كان الشرط باطلا لما رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط جابر رضي الله عنه.
وقد ترجم البخاري على بعض الأحاديث الدالة على جواز الشروط بقوله:"باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة".
وعن عبد الرحمن بن غنم قال: شهدت عمر بن الخطاب واختُصم إليه في امرأة شرط لها زوجها ألا يخرجها من دارها، قال عمر: لها شرطها، قال رجل: لأن كان هذا لا تشاء امرأة تفارق زوجها إلا فارقته، فقال عمر: المسلمون عند مشارطهم، عند مقاطع حقوقهم.
وذكره ابن عبد البر بالإسناد نفسه، ولفظه:"والمسلمون عند شروطهم ومقاطع الحقوق عند الشروط"
وخلاصة القول في المسألة أن الشروط تكون باطلة فاسدة لأحد أمرين:
الأول: منافاتها لحكم الله وشرعه، كاشتراط الولاء لغير المعتق، فهذا الشرط لا ينافي مقصود العقد ولا مقتضاه وإنما ينافي كتاب الله وشرطه، فالذي في حكم الله وشرعه أن الولاء لمن أعتق.
والثاني: منافاة الشرط لمقاصد العقد كمن زوجه واشترط عليه الطلاق، فهذا الشرط يناقض مقصود العقد ويصبح به العقد لغوا.
فإذا لم يشتمل الشرط على واحد من هذين الأمرين فلا وجه لتحريمه، لأنه عمل مقصود للناس، يحتاجون إليه إذ لولا حاجتهم إليه لم يفعلوه. [إهـ نقلا عن أحكام الزواج للأشقر ص 179 - 194 بتصرف]
العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح
العيوب التي يُفسخ بها عقد النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1)منها ما يختص بالمرأة مثل أن يكون فرجها مسدودا، أو به بخر (1) ، أو قروح سيّالة، أو كونها فتقاء (2) ، أو مستحاضة، وكذلك إذا تزوجها بكرا فبانت ثيبا.
2)ومنها ما يختص بالرجل مثل أن يكون مقطوع الذكر، أو الخصيتين، أو كان عنّينا (3) ، أو عقيما.
3)ومنها ما هو مشترك مثل الجنون ولو كان أحيانا، والجذام، والبرص، وبخر الفم، واستطلاق البول أو الغائط، أو الناسور (4) ، أو المرض الذي لا يرجى شفاؤه وتصعب معه الحياة الزوجية ونحوها.
الأدلة على الفسخ بهذه العيوب وأمثالها:
روى أحمد وسعيد بن منصور في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فرأى بكشحها بياضا (5) ، فقال لها: البسي ثوبك والحقي بأهلك.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"أيما امرأة غُرّ بها رجل، بها جنون، أو جذام، أو برص، فلها المهر بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غرّه" [مالك و الدارقطني]
وفي لفظ:"قضى عمر في البرصاء، والجذماء، والمجنونة إذا دخل بها فُرّق بينهما والصداق لها بمسيسه إياها، وهو له على وليّها".
وجاء التفريق بالعنة عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود وسمرة بن جندب، ومعاوية، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم لكن عمر وابن مسعود أجّلاه سنة - أي العنّين- أما عثمان ومعاوية فلا يؤجلاه.
وعن ابن سيرين:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلا على بعض السقاية فتزوج امرأة"
وكان عقيما، فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيِّرْها"."
وأجّل عمر مجنونا سنة، قال: فإن أفاق و إلا فرّق بينه وبين المرأة.
ومما ينبغي أن ينبه إليه أنه إذا علم أحدهما بالعيب في أخيه قبل النكاح ورضي به فلا يحل له الفسخ أبدا.
و إذا كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر عليه، وإن فسخ بعد الدخول قيل إن الصداق يستقر بمثل هذه الخلوة، والله تعالى أعلم.
وملخص القول في هذا الباب: فإن كل عيب لا يمكن من تحقيق مقاصد النكاح الأساسية ومن استمتاع كل من الزوجين بالآخر، ولم يعلم به الآخر قبل الدخول وجب الفسخ، والله تعالى أعلم. [إهـ نقلا عن أحكام الزواج]
ـــــــــــــــــ
الهوامش:
1)رائحة كريهة.
2)قال الجوهري: وهي المنفتقة الفرج، منخرقة ما بين السبيلين.
3)رجل عنّين: لا يقدر على النساء أو لا يشتهي الجماع وتُعرف العِنّة بالإقرار.
4)الناسور: مرض يصيب الشرج.
5)برصا.